فلسطين أون لاين

١٠ محطات من العذاب.. سلمان يحمل "خيمته المتهالكة" بحثًا عن أمتار في غزة

...
الشاب سلمان عساف نموذج لرحلة الصمود والمعاناة المستمرة في غزة
غزة/ نبيل سنونو:

يُغالب سلمان عساف (30 عاما) شمس الظهيرة المتسلطة فوق رأسه، في حين يتصبب العرق من وجهه ليزيد من وطأة المجهود. بيده المتشققة، يحاول فك قطعة ألمنيوم عتيقة من هيكل خيمته في أحد شوارع مدينة غزة.

لا تتآكل الخيمة بفعل الشمس وحدها، بل تبدو متهالكة من كثرة النقل والتفكيك، تماما كما تبددت الطاقة في جسد الشاب الذي بات يُحدث نفسه في الشارع لشدة قلة الحيلة.

"الخيمة هادي طلعوها إلي أهل الخير، وزي ما أنت شايف دابت"، يقول سلمان لصحيفة "فلسطين" وهو يقطع بيده أجزاء اهترأت من القماش، مضيفا بنبرة اختنق فيها بالقهر: "الخيمة هادي راحت معي على رفح خلال نزوحي (في بداية حرب الإبادة)، ولا تصلح لشيء هلقيت.. بدي أضطر أحط شقفة بطانية بدال القماش".

رحلة التشريد القسري

قبل حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان الشاب الثلاثيني يعمل سائق أجرة على مدار 14 عاما، مستورا في بيته ببلدة جباليا شمال قطاع غزة. اليوم يجد نفسه مع بناته الأربع اللاتي تبلغ أكبرهنّ ثماني سنوات، وأصغرهن توأمتان لم يتجاوز عمرهما سنة وأربعة أشهر، محروما من عمله بعد انعدام وقود وزيوت السيارات، ومرتهنا لمعونات "التكية" وحفنة من الخبز.

هذه المحطة هي العاشرة في رحلة نزوح سلمان الممتدة من بيت جباليا شمالا حتى رفح جنوبا. ومع تدمير بيته الواقع خلف ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر" وانعدام خيارات العودة حاليا، اضطر لنصب خيمته مؤقتا في شارع عمومي بوسط غزة عقب سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. لكن عدم مناسبة المكان أفرغ سكونه المؤقت، ليجد نفسه أمام رحلة شتات جديدة.

يقول سلمان وهو يحاول تفكيك ما تبقى من هيكل الخيمة: "معيش حق مواصلة كارة (عربة تجرها الدواب) تنقل أغراضي.. بنقل خيمتي وأغراضي على كتفي مشيا على الأقدام نواحي منطقة الميناء".

أجساد فوق 30% من المساحة

لا تعكس حكاية سلمان مأساته الفردية فحسب، بل تختزل مشهد الكثافة السكانية الخانقة في قطاع غزة. ففي ظل تعنت الاحتلال الإسرائيلي وعدم تنفيذه للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، بما يشمل منع إدخال الخيام ومواد الإيواء الأساسية، يجد أكثر من مليوني مواطن أنفسهم متكدسين في مساحة لا تتعدى 30% من المساحة الإجمالية للقطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا.

هذا الاكتظاظ يترجم في موقع نزوح سلمان الجديد على شاطئ البحر إلى مساحات ضيقة لا تتجاوز (5×4) أمتار للخيمة الواحدة، حيث تلتصق أقمشة الخيام المتهالكة ببعضها البعض، لتلغي أي هامش للخصوصية أو الحياة الكريمة.

"هناك ما لقيت غير منطقة ٥*٤ مترات فقط... خرابة بدي أقعد أنظفها يومين وأستر فيها عيلتي"، يقول الرجل.

ولا تتوقف معركة سلمان عند البحث عن مكان؛ إذ يحوّل الليل خيامه إلى ساحة مواجهة مع الحشرات والقوارض التي تضاعفت أعدادها وأحجامها في ظل تراكم الركام والنفايات.

يؤكد سلمان بصوت مشحون بالخوف على بناته: "العيشة جنب الركام عذاب.. العرس (القوارض الكبيرة) والفئران 24 ساعة، مبقيتش أنام الليل عشان أحرس البنات. مبارح في المخيم، عضت العرس رجلا في إصبعه وأصيب بتسمم.. العرس بقت زي الأرانب من كبرها".

سباق يومي من أجل الحليب

إلى جانب انعدام المأوى والحرارة المرتفعة التي تسلب المكان إمكانيات التهوية، يواجه سلمان تحدي توفير القوت الأساسي لتوأمه. ينتقل يوميا بين المراكز الصحية والعيادات الشحيحة الموارد للحصول على عبوة حليب، وفي حال تعذر ذلك، تعود الطفلتان إلى الرضاعة الطبيعية من أم تعاني هي الأخرى من سوء التغذية وضغط النزوح المستمر.

يختتم سلمان حديثه وهو يفكك آخر قطعة من هيكل خيمته الألومنيوم، موجها رسالة استغاثة إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" والجهات الإغاثية والضمير العالمي: "اوقفوا معنا وشوفوا هالوضع المأساوي.. الوضع صعب جدا زيادة عن اللزوم، فش طاقة ولا تحمل عند البني آدم.. تعبت كتير ومش قادر أتحمل، إحنا بس بدنا نستر حالنا".

بين خيمة متهالكة وركام يحيط بالمكان من كل جانب، يواصل سلمان رحلة نزوح قسرية، على أمل أن يجد مساحة أمتار قليلة تقيه حر الصيف ونيوب القوارض، في واقع بات فيه مجرد الحصول على "خيمة تؤوي طفلا" أمرا يستدعي المعجزات

المصدر / فلسطين أون لاين