فلسطين أون لاين

اصطف في طوابير المياه والطعام ولم يستسلم لتداعيات الحرب

من خيمة النزوح إلى الثاني على القطاع.. أحمد حنيف يحصد 99.7%

...
فرحة عائلة حنيف بتفوق نجلها أحمد
غزة/ يحيى اليعقوبي:

لم تكن الحياة في خيمة بمواصي خان يونس مكانًا مناسبًا لأجواء دراسية لطلبة الثانوية العامة، مثل التي يعيشونها داخل غرف وبيوت سكنية معزولة عن كل شيءٍ تمنحهم أجواء دراسية مناسبة، لكن أحمد حنيف الذي خصص ركنًا للدراسة داخل مطبخ العائلة جعل خيمته محطة للتفوق ولم تكسره هذه الظروف التي فرضتها الحرب والنزوح عليه.

من بين أجواء النزوح القاسية، وشحّ المياه، وغلاء القرطاسية، وحرارة الصيف، ومرض والدته، شقّ أحمد طريقه نحو التفوق، حتى حصد 99.7%  في الفرع العلمي، ليحتل الترتيب الثاني على مستوى قطاع غزة ضمن العشرة الأوائل في الثانوية العامة.

وبينما كان كثيرون غيره تتوافر لديهم أبسط مقومات الحياة، كان يقف في طوابير المياه وتكايا الطعام مساندًا أهله في تفاصيل الحياة اليومية، ويحاول الموازنة بين تداعيات الحرب وطموحه المستقبلي بالتمسك بحلمه الدراسي، فقد تضاعف الجهد وسهر الليل مستغلا هدوء الليل، الذي لطالما كان الاحتلال يكسره بقصف خيام الإيواء بالمواصي مسببا أجواء من القلق والخوف لجميع النازحين، مع مراسم التشييع والجنازات التي كانت تمر أمام عيني أحمد وهو يرى نفسه يوما طبيبا في أحد المستشفيات يستقبل المصابين ليداوي جراحهم.

كانت النتيجة بالنسبة له مفاجأة لم يتوقعها، وإنه كان يظن أنه سيحصل على معدل أقل، قبل أن تأتي النتيجة حاملة معها فرحة كبيرة له ولعائلته التي ملأت الخيمة.

أجواء توتر

ويحكي لصحيفة "فلسطين" عن اللحظات التي سبقت إعلان النتيجة قائلا: "كانت مشحونة بالتوتر والترقب، قبل أن تتحول خلال دقائق إلى لحظات، ممزوجة بالفرح، بعدما علم أنه حصل على الترتيب الثاني على مستوى القطاع".

لم يكن يتوقع أن يسمع اسمه بين الأوائل، لكنه رأى في النتيجة فضلًا من الله وكرمًا منه، فاحتشدت العائلة والأحباب حوله، وتحولت الخيمة التي عاش فيها أشهرًا طويلة من النزوح إلى مساحة للفرح، في مشهد أراد فيه الجميع الاحتفال بإنجاز انتزعوه من قلب ظروف الحرب.

في تلك الخيمة، كانت تفاصيل الحياة اليومية مختلفة تمامًا؛ فهي لم تكن غرفة دراسة، بل كانت في الوقت نفسه مسكنًا ومخزنًا ومطبخًا جعله أحمد مكانا للنوم، ومع ذلك حاولت عائلته توفير أكبر قدر من الراحة له، إلا أن ظروف النزوح والخيمة كانت أكبر من قدرتهم على التحكم بالأوضاع.

WhatsApp Image 2026-07-25 at 10.28.39 AM (1).jpeg
 

ويعود لرحلته في طريقه نحو التفوق قائلا: "الظروف لم تكن سهلة، فالحصول على الدفاتر والقرطاسية لم يكن أمرًا بسيطًا، إذ كانت بعض المستلزمات التعليمية نادرة وباهظة الثمن، فيما كانت الحياة اليومية نفسها قائمة على الانتظار والطوابير، حتى إن تعبئة المياه كانت تحتاج إلى الوقوف طويلًا في الطوابير".

ولم يكن قادرًا دائمًا على الالتزام بجدول دراسي ثابت، فـ "الحياة في الخيمة والحرارة والظروف المحيطة جعلت الأمر أكثر صعوبة، لذلك كان يدرس وفق طاقته وقدرته، في الصباح أو المساء، وفي بعض فترات العصر، بينما كان يتجنب ساعات الظهيرة بسبب شدة الحر" هذا جانب من أسلوبه الذي تكيف معه.

مثل تفوق أحمد امتدادا لمسيرة طويلة كان فيها الأول على مدرسته على مدار 12 سنة، ولم يكن التفوق بحد ذاته مستغربا وإن كان لم يتوقع أن يكون ضمن العشرة الأوائل.

تكيف مع الظروف

وجرب أحمد التعليم الوجاهي و التعليم الإلكتروني منذ بداية العام، فكان يحّمل الدروس من موقع "يوتيوب"، ويتابع شروحات المعلمين، ثم يعود إلى مراجعة ما درسه بنفسه. وكان يخصص لكل حصة ساعة أو ساعتين بحسب حاجته، ويبحث عن مصادر إضافية كلما واجه معلومة لم يفهمها.

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، وجد فيها وسيلة مساعدة لفهم بعض المسائل التي كانت تصعب عليه، فكان يلجأ إليها لشرح المعلومات الغائبة عنه، إلى جانب البحث والمراجعة الذاتية، "مؤمنًا بأن الطالب في الظروف الصعبة لا يستطيع أن ينتظر دائمًا من يشرح له، بل عليه أن يبحث ويجتهد ويصنع أدواته بنفسه" كرسالة للطلبة الجدد بناء على تجربته.

وفي الأشهر الأخيرة من العام الدراسي، حاول الانتقال إلى التعليم الوجاهي، لكنه وجد أن عدد الحصص المتاحة خلال الأسبوع لم يكن كافيًا لإنهاء المنهاج ومتابعته بالشكل المطلوب، فقرر العودة إلى الدراسة الذاتية، معتمدًا على نفسه في تنظيم وقته واستكمال ما تبقى من المواد.

ويؤكد أن "التفوق في مثل هذه الظروف يعتمد بدرجة كبيرة على إرادة الطالب واجتهاده، وإن الظروف مهما كانت صعبة لا ينبغي أن تكون سببًا للاستسلام.

إضافة للصعوبات الدراسية واجه أحمد صعوبات مرضية، يتعلق بمرض والدته بسرطان الثدي، وهو ما جعل العام الدراسي أكثر قسوة عليه وعلى عائلته. وبينما كان يحاول التركيز في دروسه، كانت مشاهد المرض والنزوح والحرب حاضرة في تفاصيل حياته اليومية.

ويرى في نجاحه "رسالة وفاء لعائلته"، التي وقفت إلى جانبه طوال العام، وحاولت أن توفر له ما تستطيع من احتياجات الدراسة، وتمنحه البيئة التي تساعده على الاستمرار، رغم قسوة الظروف.

وقال بنبرة سبقتها ابتسامة فرح: "كان هدفي رفع رأس أهلي وأن أجعل أمي فخورة بي، وكلما واجهت ظروفا صعبة وكنت أتذكر أن هناك عائلة تنتظر مني المواصلة".

ويقف أحمد أمام مرحلة جديدة من حياته، بعدما أصبح اسمه بين أوائل طلبة قطاع غزة، وفي ذهنه أكثر من خيار لمستقبله، بين دراسة الطب أو الهندسة، موجها رسالة لطلبة التوجيهي للعام القادم ختم بها حديثه: " اجتهدوا وادرسوا، وتمسكوا بأهدافكم، فالنجاح الذي يمنحكم القدرة على إدخال الفرحة إلى قلوب آبائكم وعائلاتكم يستحق كل هذا التعب"

المصدر / فلسطين أون لاين