لم يكن صمود إيران وليد الصدفة أو الحظ، بل كان ثمرة عقيدة راسخة بأن النصر مع الصبر، وأن التمسك بفلسفة المقاومة في مواجهة العدو انتصاراً بحد ذاته. وفي مشهد مهيب يجسد صدق الله مع عباده المؤمنين، أثبتت إيران أن الإرادة الصلبة والعقيدة الراسخة قادرة على هزيمة أقوى الترسانات العسكرية.
لقد غيرت الحرب قواعد الاشتباك في عالم لم يعد يحتمل المعادلات التقليدية. فقد أظهرت التجربة أن "اقتصاديات الحرب" قد تحولت رأساً على عقب؛ فلم تعد المنظومات الدفاعية الباهظة الثمن قادرة على مواجهة هجمات المسيرات منخفضة التكلفة بشكل مستدام. وفي مشهد مهيب، تحولت التكنولوجيا الإيرانية الزهيدة إلى كابوس يطارد أقوى الأساطيل، وأثبتت الصواريخ الباليستية الإيرانية أنها أكثر قدرة على المناورة والوصول مما تصوره المخططون.
ولعل أبرز مشاهد الملحمة كان حين أظهرت إيران قدرتها على استبدال قيادتها بسرعة وتماسك بعد أن ظن العدو أن الاغتيالات ستهز أركان النظام، فتنهار المؤسسات، فريسة بأيدي الشعب، لكن وفي مشهد يعكس عمق المؤسساتية والثقة بالنفس، ووعي الشعب الإيراني، تم انتخاب القيادة الجديدة في أيام معدودة، ما أفشل الرهان على الفراغ القيادي وأظهر أن النظام مبني على مؤسسات راسخة وليس على أشخاص، ومع تقدم المعارك، بدأت الكفة تميل بشكل غير متوقع. فالعدوان الذي ظن القائمون عليه أنه سيكون حرباً خاطفة تحول إلى مستنقع استنزاف مكلف. أظهرت الأرقام أن تكلفة الحرب على المعتدين كانت إضعاف ما كانت على إيران، وما عاد المشهد كما كان في حروب سابقة؛ فالساحة أصبحت أكثر تعقيداً، والمعادلات لم تعد تحتمل الردود التقليدية ، وفي تحول دراماتيكي، أغلقت إيران مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية ، و لم يكن هذا الإغلاق مجرد خطوة عسكرية، بل كان رسالة واضحة بأن إيران تمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأن أي عدوان عليها سيكون له تبعاته على كل أسواق العالم ، ارتفعت الأسعار، وبدأت بوادر الأزمة الاقتصادية تطل برأسها في عواصم الغرب، ما جعل الاستمرار في الحرب مكلفاً سياسياً واقتصادياً للقادة الغربيين ، كما أن دخول أنصار الله في اليمن على خط المواجهة إلى جانب إيران وتهديده بغلق باب المندب ، زاد الوضع تعقيدا أكثر ، ووضع أمريكا أمام خيارين لا ثالث لهما وكلاهما مر ، إما الاستمرار بحرب خاسرة، وإما الاستسلام .
وقد وجد ترامب نفسه مضطرا للجلوس على طاولة المفاوضات بعد أن وعد ناخبيه بـ(النصر الكامل). لقد تحول مسار الأحداث لتأتي المفاوضات تحت شروط إيرانية واضحة، حيث تم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة ثانية، وتم استبعاد مناقشة ملف الصواريخ الإيرانية، كما تم ربط وقف الحرب بملفات إقليمية أخرى، في مقدمتها الساحة اللبنانية، ما أفشل المشروع الصهيوني الذي كان يطالب بتفكيك البرنامج النووي نهائياً، وعزل ملف لبنان عن المفاوضات، حتى أنه لم يتردد بوصف الاتفاق بأنه كارثة سياسية وأمنية، وفشل استراتيجي للقوى العظمى التي اعتادت أن تملي شروطها.
بعد مئة يوم من إعلان تلك الحرب الظالمة، كانت إيران هي المنتصرة، ففي الميدان كانت صاحبة الضربة الأخيرة وفي التفاوض كانت صاحبة القرار، تتفاوض من موقف القوة لا من موقف ضعف، تشترط ولا تفرض عليها الشروط، هذا التحول - من عدو يُحاصَر إلى ند يُتفاوض معه بشروطه - كان أعظم انتصار سياسي حققته إيران في العقود الأخيرة ، أعاد توزيع نفوذ القوى في المنطقة ، ويطوي عقودا من الهيمنة الأمريكية .
هذه الحرب تحمل في طياتها دروساً بالغة الأهمية للأمة جمعاء. فالنصر ليس بكثرة العدد أو العتاد، بل بالصبر واليقين والتمسك بالحق، كما قال تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). لقد أثبتت المقاومة الإيرانية أن التمسك بالمبادئ وعدم الانكسار أمام الإغراءات والتهديدات هو الطريق إلى النصر الحقيقي، كما أكدت الحرب أن الأمن لم يعد مفهوماً محلياً أو إقليمياً، بل أصبح مرتبطاً بشبكة معقدة من المصالح العالمية. إغلاق مضيق هرمز كشف هشاشة الاقتصاد العالمي أمام إرادة مقاومة واحدة، وهذا درس ينبغي أن تستوعبه الأمة في كل مفاصلها الاستراتيجية.
في ختام هذه الملحمة التي سطرتها إيران بصمودها ويقينها، نعود إلى حقيقة أثبتها التاريخ في كل محطاته: أن العاقبة للمتقين الصابرين، وأن وعد الله حق لا يتخلف: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) و (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).
وتبقى هذه الحرب علامة فارقة في التاريخ، ففيها تجلت آيات الله في نصرة المؤمنين، وفيها انكشف زيف القوة الغاشمة أمام إرادة شعب آمن بالله ووكل أمره إليه. إنها دعوة لكل مؤمن أن يتمسك بيقينه، وأن لا يبالي بأصوات المرجفين، وأن الثبات على المبادئ والتمسك بالحق، والإخلاص لله والدين والشعب، هو مفتاح النصر في كل معركة.

