في سنوات ليست بالبعيدة، وتحديداً نحو عام 2018، كان المشهد داخل صالات القبول والتسجيل في الجامعات يتسم بالطابع الاستكشافي الشغوف؛ إذ كان الطالب يدخل بسؤال عريض عن الكليات وما تفتحه التخصصات من آفاق مستقبليّة.
أما اليوم، وفي عام 2026، ينكشف واقعٌ مختلفٌ تماماً.
بات الطالب يطرق الباب بنبرة مباشرة مختزلة، يتجاوز بها مرحلة التعرف ليقول فوراً: "أريد أن أكون محامياً، فما التخصص المناسب؟"، أو يأتي مكرهاً ليردد ولي أمره بمرارة: "بالعافية أجبرته على الدراسة!".
فما الذي تغير في بيئة شبابنا؟ وكيف تحولت رحلة البحث من "شغف المعرفة" إلى "البحث العاجل عن مهنة بأقل تكلفة ذهنية ونفسية"؟ وكيف تستجيب مؤسساتنا لهذا التحول العميق؟
1. ظلال الحرب والتعلم عن بُعد: استنزاف الشغف
لا يمكن قراءة هذا التحول المعرفي بعيداً عن الظروف الاستثنائية التي عاشها هذا الجيل؛ فقد مر الطلبة بمرحلة الثانوية عبر الشاشات والتطبيقات عقب حربٍ طاحنة استمرت لثلاث سنوات وما زالت إرهاصاتها قائمة.
هذا الانقطاع القسري عن التفاعل الاجتماعي المباشر شكل إخلالاً بـ"الحق في تعليم جيد"، وأدى إلى:
فقدان الرفاهية الذهنية:
الطالب المنهك جراء الأزمات والنزوح لا يملك رفاهية التفكير الممتد أو استكشاف الخطط الدراسية؛ فالأولوية لديه للصمود النفسي.
البحث عن الأمان المباشر:
أصبحت الأولوية الذهنية هي البحث عن "نقطة الوصول الأخيرة" بأسرع طريق ممكن، مما اختزل الطموح الأكاديمي في مجرد طوق نجاة.
2. المنطق المعكوس:
التخطيط من النهاية للبداية
في الظروف الاعتيادية، يبدأ المسار الطبيعي باختيار "التخصص" الذي يتوافق مع الشغف، ثم التدرج لنيل "المهنة". أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة؛ حيث يبحث الطالب أولاً عن المهنة الظاهرة في واقع اليوم (ممرض، معلم، محامٍ)، ثم يسأل عن أقصر طريق يوصله إليها.
هذا التفكير اللحظي يوقع الطالب في فخ تخطيطي خطير؛ إذ إن التخصص المكتظ اليوم قد يصل لمرحلة التشبع والبطالة الهيكلية بعد أربع سنوات.
فالسوق متغير، والتخطيط السليم يستوجب الدراسة من أجل "سوق الغد".
3. المعادلة المفقودة: (رغبة - قدرة - فرصة)
إن وصول الطالب لمقعد الدراسة هو بداية لمرحلة شاقة ملأى بالقواعد والنظريات العلمية الجافة التي تسبق التخرج. وللصمود والتميز، لا بد من توافر ثلاثة أركان تشكل "مثلث الاستقرار الأكاديمي":
[الرغبة]
/ \
/ \
[القدرة] ——— [الفرصة]
الرغبة (الشغف الداخلي):
الوقود النفسي الذي يسند الطالب أمام معقد النظريات؛ وبدونها يتسلل الإحباط سريعاً.
القدرة (الإمكانيات الأكاديمية): امتلاك الأدوات والمهارات الفكرية لاستيعاب متطلبات التخصص والتميز فيه.
الفرصة (واقع السوق المستقبلي):
دراسة مدى احتياج سوق العمل للتخصص بعد أربع سنوات وتجنب المسارات المشبعة، مما يتطلب توفير بيانات استشرافية للطلبة.
إن دورنا في صالات القبول والتسجيل يتجاوز إدخال البيانات؛ إننا نقف في خط الدفاع الأول لإعادة بناء الوعي الأكاديمي لجيلٍ أنهكته الظروف.
وهذا استثمار في رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية للوطن.
واجبنا أن نحتوي الطلبة بتفهم، وأن نوقظ فيهم الوعي التخطيطي لنقول لهم:
لا تدرس لتكون جاهزاً لوظيفة اليوم، بل ادرس لتكون متميزاً ومطلوباً في سوق الغد.
ابحث عن رغبتك، صقل قدرتك، واقتنص فرصتك..
فأنت تبني نفسك، وتبني معها لبنة في صرح هذا الوطن.

