الدارس للتاريخ وما وقع بين الأمم في الحروب والمنازعات والصراعات، يتبين له بكل سهولة ويسر أن الحروب قامت بين تحالفات وقوى متعددة؛ كلٌ ينصر حليفه ويقدم له جميع أسباب القوة والظفر، ويدفع عنه أذى الأعداء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ولا أدل على ذلك من الحروب التي وقعت في القرن الماضي والتي سميت بالحرب العالمية الأولى والثانية:
فمثلا قامت الحرب العالمية الأولى بين دول الحلفاء (وضمت بريطانيا، فرنسا، روسيا، إيطاليا، الولايات المتحدة، وغيرها) ودول المركز (وضمت ألمانيا، النمسا والمجر، الدولة العثمانية، بلغاريا، وغيرها). وكان من نتائج هذه الحرب سقوط إمبراطوريات مثل الإمبراطورية الروسية والألمانية والعثمانية وغيرها، وتغيير خريطة العالم وتقسيم مناطق الدولة العثمانية، وتأسيس منظمة دولية اسمها "عصبة الأمم" لحفظ السلام العالمي كما زعموا. وقد استمرت هذه الحرب أربع سنوات (من عام 1914 إلى عام 1918)، قُتل فيها أكثر من 20 مليون إنسان.
الحرب العالمية الثانية كذلك وقعت في القرن الماضي واستمرت ست سنوات (من عام 1939 إلى عام 1945)، وقد شارك فيها عدد كبير من الدول و أكثر من 100 مليون إنسان. وكانت كذلك بين فريقين: الحلفاء (ومنهم بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، الاتحاد السوفيتي، الصين، بولندا، وغيرها)، والمحور (ومنها ألمانيا، إيطاليا، رومانيا، اليابان، وغيرها الكثير). وكان من نتائجها إعلان اليابان وألمانيا هزيمتهما والخضوع لشروط المنتصر.
وقد تميزت هاتان الحربان بـصناعات عسكرية كثيرة ومتطورة، ودعم متواصل، وجيوش جرارة، وفتح للحدود بين الدول المتحالفة، وإسنادٍ للحرب بكل الإمكانيات.
أما الحرب المستمرة التي أوشكت أن تكمل عامها الثالث في غزة، فهي الحرب العالمية الحقيقية التي لم يحدث مثلها في التاريخ؛ فقد اجتمعت دول الحلفاء والمحور جميعاً ودعموا بالمال والرجال والسلاح وكل ما يلزم الطرف المجرم المعتدي الغاصب، وحوصر المعتدى عليه وأُغلقت في وجهه جميع الأبواب، وسُدّت في طريقه جميع السبل؛ لا مال، ولا رجال، ولا سلاح، ولا مواقف سياسية، ولا قرارات أممية منصفة، حتى قرار المحكمة الجنائية تم تهديده والانقلاب عليه وطرد رئيس المحكمة لأنه حكم على المجرم. لم تُفتح ثغرة من الحدود للدعم والإسناد، وأصبح كل شيء يحتاجه المحاربون معدوماً، وأصبح الناس في مجاعة وتوفي عدد كبير منهم بسبب الجوع والعطش وانعدام الدواء، وأصبح الحال في أحسنه دعوة صادقة من إمام مسجد.
ومن أكبر ما جرى وأثقله أن بعض المحسوبين على العلم يدعون للكافر ضد المسلم المحارب المدافع عن مقدسات الأمة وكرامتها.
أصبح في أكثر الدول المسلمة الموحدة الدعوة إلى الجهاد جريمة يعاقب عليها القانون، فهي دعوة إلى الفوضى وإثارة النعرات، وكأن الصهاينة هم أهلٌ لهم وعشيرة، ويُعتقل الناس بسبب ذلك ويُحاكمون.
أصبح في معظم بلاد المسلمين الذين كان يجب أن يكونوا حلفاء الدم والعقيدة والتاريخ والقرآن والسنة والأقصى وبيت المقدس، أصبح الخروج في مسيرة كبيرة من الكبائر؛ لا توبة منها ولا كفارة لها. وأصبح الثناء على المقاومين شراكة في العنف ودعوة إلى قلب نظام الحكم….
في هذه الحرب التي ما زالت مستمرة بلا هوادة على الأطفال والنساء والمرضى والجرحى، لا داعم ولا ظهير ولا مساند ولا مطعم ولا مغيث، بل يطالبون أصحاب الحق بالاستسلام والانصياع لأمر القتلة والمجرمين.
في الحربين السابقتين سقطت إمبراطوريات وهُزمت دول كبرى وأُزيلت دول أخرى من خريطة العالم رغم التحالفات، وهذه الحرب على غزة هي الحرب العالمية الأولى بهذا الشكل وبهذا التحالف المقيت من كل اللغات والجنسيات والعرقيات وبجميع الأنواع والأشكال والألوان. ورغم ذلك، سيبقى شعبنا، وستبقى فلسطين، وسيبقى أقصانا، وستدور على الباغي الدوائر، ولا بد لأمتنا أن تنهض وأن تكسر قيدها وتحرر مقدساتها بإذن الله رب العالمين

