لا زالت غزة الجريحة تنزف، ونزفها غزير الدم، ولا زالت الأرواح تصعد إلى بارئها، ولا زال العدو يستعرض بطشه وجبروته على غزة الجريحة المكلومة، يريد أن ينزع عنها كرامتها.
ولا زال العالم يرمقها من بعيد، وكأن غزة في كوكب آخر، بل في مجموعة شمسية أخرى، وكأن سكانها ليسوا من بني البشر. العالم يرمقها من بعيد جداً، لا يراها بالعين المجردة، يصعب عليه أن يرى أطفالها وهم يصرخون من تحت الأنقاض أو يسمع استغاثتهم.
لم يسمع هذا العالم صيحات النساء والمسنين والرجال المتعبين، لم يسأل هذا العالم نفسه: لماذا هم هنا؟ ولماذا سكنوا هذا المبنى الذي يريد بإصرار وتصميم أن ينقض؟ فانقض بالفعل، وانقض معه عشرات الناس بين شهيد وجريح.
هل تركوا بيوتهم وجاؤوا هنا؟ هل أسعفهم أهل البر والعطاء وهيأوا لهم المساكن فهجروها وفضلوا هذا المكان المتهالك الذي تخلت أركانه عن بعضها؟ هل غضب أهل السنة والجماعة على أهل السنة القاطنين في هذا البلد المسلم الذي أوشك أن ينقض كله؛ بيوته ومساجده ومدارسه ومستشفياته؟
يا هؤلاء:
هل هؤلاء القاطنون في هذا البلد أهل بدع؟ وما هي البدع التي ابتدعوها في دين الله لتتخلوا عنهم وتحاربوهم جنباً إلى جنب مع أعداء الله الصهاينة؟ أم أنه التبرير الشيطاني الخياني الرخيص الذي تعلقون عليه جبنكم وتآمركم على أهل هذا البلد المقاوم بشهامة وصبر وإصرار، ويقدم كل ما يقدم من أجل دين الله ومن أجل مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.
وأنتم أيها الوسطاء، أنتم إخواننا وعزوتنا وربعنا وسندنا، ماذا تنتظرون أن يفعل العدو بإخوانكم في غزة؟ القصف متواصل، والقتل يومي بل ساعي، والدمار كبير، والحصار قاتل، وإنذار وقف المستشفيات ملأ صداه أرجاء الدنيا، ومَنع مواد الإعمار هو قتل آخر، وخير دليل انهيار المبنى هذا الصباح الأليم، ودفن العشرات من النساء والأطفال والرجال والمرضى والجرحى.
أما آن أن يكون هناك موقف قوي يناسب جرائم الحرب المتواصلة التي يضرب بها العدو وساطتكم عرض الحائط؟ أما آن لنقل عبارات الرفض والتنديد إلى لغة التهديد والوعيد؟ لا أعرف بماذا، لكنها ممكِنة بأي شيء.
نحن هنا أمام مرحلة جديدة من مراحل القهر والعذاب بالصمت والاستخفاف. وأنتم يا أعضاء مجلس السلام المزعوم، أين سلامكم الذي صدعتم به رؤوسنا؟ ويتغنى به ترامب ليل نهار أنه حققه في غزة، أم أن السلام في عرفه المشبوه هو الإفراج عن الأسرى من غزة؟
أين مبادرتكم وموقفكم وعقابكم على المعتدي الذي يركُل في كل لحظة قراراتكم ومجلسكم الموقر بقصفه وحصاره وتجويعه؛ أما علمتم بالمساكن التي تنهار من القصف والدمار فتقتل وتدفن الأحياء وتحول بعضهم إلى أشلاء؟ أما علمتم بجرائم المحتل المجرم النازي وما يفعله في كل ساعة في غزة رمز مجلسكم الموقر؟
ماذا تنتظرون؟ هل غابَت إنسانيتكم التي تتغنون بها في كل المحافل؟ نحن نعلم يقيناً أنها مجرد شعارات جوفاء على شعبنا وشعوب الأمة المسلمة، ولكنها نشطة جداً إذا مست جدار مقبرة صهيونية عفنة.
سلام زائف، وعيون ترى في زاويه واحدة، وآذان لا تسمع إلا لغة واحدة هي لغة المجرم النازي القاتل.
لك الله يا غزة.. لك الله يا فلسطين.. لك الله يا أقصى.. والعزاء مقبول على مدار الأجيال.

