فلسطين أون لاين

شامية يطالب بإعادة تفعيل دائرة العلاج بالخارج في غزة وفتح المعابر لسفر المرضى

طابور الموت الصامت.. جرحى ومرضى غزة يطلقون صرخة الوداع الأخيرة من ساحة “الشفاء”

...
جانب من الوقفة
غزة/ عبد الرحمن يونس:

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها ساحة مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة فعالية بروتوكولية أو تجمعاً عابراً لإصدار بيان صحفي، بل بدت في جوهرها “صرخة وداع” جماعية أطلقها جرحى ومرضى محاصرون بين فكي الموت: مرض ينهش أجسادهم، وحصار يغلق أمامهم أبواب العلاج.

في قلب الساحة، اجتمع عشرات المرضى والمصابين ليبعثوا برسالة واحدة إلى العالم: “افتحوا المعابر قبل فوات الأوان، فأجسادنا لم تعد تحتمل”. وكان المشهد مؤثراً وصادماً؛ أصوات الأطباء تختلط بتحذيرات من انهيار المنظومة الصحية، مع أنين مرضى حضر بعضهم على أسرة المستشفى أو على كراسٍ متحركة، موصولين بأنابيب الأكسجين والمحاليل، في مشهد يلخص ما وصفه الحاضرون بـ”الإعدام البطيء” لأكثر من 17 ألف مريض وجريح ينتظرون تحويلات طبية عاجلة.

أرقام تكشف فجوة الحياة والموت

خلال الوقفة، قدّم وكيل وزارة الصحة المكلف، الدكتور ماهر شامية، صورة رقمية قاسية للمأساة. ووفق بيانات الوزارة حتى 20 مايو/أيار 2026، بلغ عدد التحويلات الطبية 17,757 حالة لمرضى يعانون من السرطان، أمراض القلب، الفشل الكلوي، وإصابات عصبية خطيرة.

لكن الواقع يكشف أن 3,226 فقط تمكنوا من مغادرة القطاع، بينهم 1,204 مرضى وجريح، فيما كان الباقون مرافقين، في ظل إجراءات معقدة وقيود سفر مشددة. هذه الأرقام تعكس فجوة قاتلة، إذ يبقى آلاف المرضى داخل مستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية الكيماوية، المستلزمات الجراحية، وأجهزة التشخيص.

WhatsApp Image 2026-06-09 at 8.13.31 PM.jpeg
 

بين الحضور، جلست والدة الطفل صهيب أبو هربيد قرب ابنها على كرسيه المتحرك، وعيناها مثقلتان بالدموع. تقول بصوت متقطع: “كان يعاني من التهاب في الأعصاب، وهو مرض يمكن علاجه، لكن الانتظار الطويل بسبب الحصار حوّل حالته إلى شلل رباعي كامل”.

وتضيف: “لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أصيب بانسداد في المريء يمنعه من البلع. ابني يموت كل يوم مئة مرة. يحتاج إلى عملية عاجلة وسفر فوري. التأخير لم يعد إهمالاً، بل حكم موت بطيء”.

نداء الأم اختصر مأساة آلاف العائلات التي ترى أبناءها يتدهورون يومياً أمام أعينها دون قدرة على إنقاذهم.

جريح ينتظر ما تبقى من جسده

إلى جانبها، وقف الجريح محمد مطر متكئاً على عكازه، يحاول التماسك أمام الألم الذي تسببه شظايا لا تزال مستقرة في جسده منذ إصابته خلال الحرب. يقول: “الأوجاع لا تفارقني، والمسكنات لم تعد تنفع. هنا حاول الأطباء إنقاذي بكل ما يملكون، لكن الإمكانيات محدودة جداً”.

ويتابع: “أخبروني أن التأخير في السفر قد يؤدي إلى مضاعفات دائمة، وربما بتر أجزاء من أطرافي. نحن لسنا أرقاماً، نحن بشر كانت لنا حياة وأحلام. نريد فقط فرصة للعلاج”.

WhatsApp Image 2026-06-09 at 8.13.30 PM1.jpeg
 

الأطباء المشاركون في الوقفة أكدوا أن الأزمة لا تتعلق فقط بنقص الإمكانيات، بل بآليات السفر المعقدة وإغلاق المعابر. فالسفر عبر معبر رفح لا يتجاوز ثلاثة أيام أسبوعياً وبأعداد محدودة، بينما لا يتاح عبر معبر كرم أبو سالم سوى يوم واحد، وهو ما يغطي أقل من 5% من الاحتياجات الطارئة.

هذا الواقع أدى إلى تكدس آلاف الحالات في أقسام العناية المكثفة والأورام، وتحول المستشفيات إلى ما يشبه “محطات انتظار للموت”، حيث تسجل وفيات يومية لمرضى كان يمكن إنقاذهم لو أتيحت لهم فرصة العلاج في الخارج.

في ختام الوقفة، وجهت وزارة الصحة والمرضى نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي بفتح المعابر بشكل كامل أمام الحالات الإنسانية، وإلغاء القيود التي تعيق سفر الجرحى والمرضى، خصوصاً الفئات الشابة والنساء.

كما دعا وكيل وزارة الصحة في غزة وزارة الصحة في رام الله إلى إعادة تفعيل دائرة العلاج في الخارج بكامل صلاحياتها، لتسريع التحويلات الطبية وتغطيتها مالياً، إضافة إلى مطالبة السفارات الفلسطينية بالقيام بدورها في استقبال المرضى وتأمين احتياجاتهم.

وأوضح أن تصنيف الحالات يتم وفق لجان طبية متخصصة وبإشراف جهات دولية، لكن ضغط الأعداد يجعل الأطباء أمام قرارات قاسية بين مرضى يقتربون من الموت.

انتهت الوقفة، وعاد المرضى إلى أسرتهم وخيامهم، لكن كلماتهم بقيت معلقة في أروقة مجمع الشفاء. هناك، حيث ينتظر آلاف الجرحى والمرضى قراراً سياسياً أو صحوة ضمير عالمي قد تعيد لهم حقهم الوحيد: الحياة.

وفي غزة، يستمر “طابور الموت الصامت” في التمدد، فيما تتآكل الأجساد ببطء، بانتظار معبر قد يُفتح… أو أمل قد لا يأتي

المصدر / فلسطين أون لاين