فلسطين أون لاين

رسالة قرآنية من محرقة غزة

﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]

الاستبدال قانون إلهي وسنّة تاريخية ماضية

في حركة التاريخ الكبرى، لا تسير الأمم عبثاً، ولا تتقلب الحضارات صدفة، بل تحكمها سنن ثابتة ماضية، لا تحابي أحداً ولا تتوقف عند أحد. ومن بين هذه السنن، تتجلى سنة الاستبدال بوصفها قانوناً إلهياً صارماً، يُختبر به مدى التزام الأمم بمقاصد الوجود ورسالة الاستخلاف، كما قال سبحانه: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

وليس هذا المفهوم مجرد وعظٍ أخلاقي، بل هو هندسة وجودية عميقة تربط بين الإيمان والفعل، بين الهداية والفاعلية، بين الاستجابة والانبعاث الحضاري. فالتولي ليس انحراف لحظة، بل انسحاب تدريجي من مركز الرسالة، حيث يُترك مقتضى العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ويُهمل واجب الاستخلاف: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، فتبدأ رحلة التراجع من البنية قبل أن تظهر في النتائج.

وقد رسم القرآن ملامح هذا التحول في قصة بني إسرائيل، حين انتقلوا من لحظة النجاة الكبرى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، إلى لحظة الانكسار الداخلي، فعبدوا العجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾، ورفضوا مقتضى المواجهة: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾. هناك لم يكن السقوط عسكرياً فقط، بل كان انهياراً في الإرادة، وانفصالاً بين التكليف والامتثال، حتى انتهوا إلى التيه أربعين سنة، لا لأن الطريق غاب، بل لأن البوصلة اختلت.

إن سنة الاستبدال في ميزان الله لا تعني إفناء الأمم، بل تعني فقدان مركز التأثير، وتحول الأمة من فاعل في التاريخ إلى متفرج عليه، ومن صانع للحدث إلى مستهلك لآثاره. إنها لحظة “الغثائية” حين يفقد الجمع وزنه، وتتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وتُستنزف الطاقات في الهامش، بينما تُترك القضايا الكبرى خارج دائرة الفعل.

لكن السنن ذاتها التي تحكم السقوط، تفتح أبواب النهوض. فكما أن هناك جيل التيه، هناك جيل الاختيار الإلهي، الذين وصفهم القرآن: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. جيل لا يُقاس عدده بل وزنه، ولا إمكاناته بل صلابته، ولا حضوره المادي بل عمقه الإيماني.

وفي هذا السياق الرمزي، تُستحضر غزة لا بوصفها جغرافيا محاصرة فحسب، بل كنموذج مكثف لمعنى الثبات تحت النار، حيث يتقاطع الألم مع الإرادة، والحصار مع الصمود، لتتشكل صورة تختبر معنى الفاعلية في لحظة اختلال المعايير.

وفي الإطار السنني الأوسع، يُستحضر الحديث الشريف: “خراب يثرب وعمار بيت المقدس” بوصفه إشارة رمزية إلى حركة التداول الحضاري بين مراكز العمران، لا بوصفه حكماً مادياً مباشراً، بل كتعبير عن تحولات تاريخية كبرى تعكس تبدل مراكز القوة والفاعلية. فالخراب في هذا السياق يُفهم كتراجع مركز، يقابله عمار في موضع آخر، ضمن سنن الله في تعاقب الأمم ومواقع التأثير.

وبهذا المعنى، لا يُقرأ الحديث بمعزل عن المنظومة القرآنية التي تقرر أن الازدهار والاضمحلال ليسا حالة ثابتة، بل حركة مستمرة ترتبط بشروط الفعل والالتزام والقدرة، وأن التاريخ ليس سكوناً بل تداولاً دائماً بين الصعود والانحدار.

إن الحديث عن السنن هو حديث عن منطق التاريخ العميق، حيث تتعاقب لحظات العمران والخراب، وتنهض مراكز وتسقط أخرى، لا بالصدفة، بل وفق قوانين ممتدة تتجاوز اللحظة السياسية إلى البنية الحضارية ذاتها.

وهكذا، يبقى السؤال الجوهري: ليس من ينتصر في لحظة، بل من ينسجم مع سنن البقاء؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل الابتلاء إلى طاقة صعود، والانكسار إلى بداية تشكل جديد؟

فالتاريخ لا يرحم الفراغ، والسنن لا تنتظر المترددين. وبين التولي والاستبدال، تُكتب حكاية الأمم: لا بما تقول، بل بما تفعل حين تُختبر في لحظة الحقيقة.