فلسطين أون لاين

تقرير خلف بوابات معبر رفح.. قصص فراق لا تنتهي

...
توضيحية (أرشيف)
غزة/ عبد الله التركماني:

في شقة صغيرة بمدينة غزة، تعيش فاتن عبد الرحمن (31 عاما) على أمل أن تسمع خبرا واحدا يعيد إليها زوجها العالق في مصر منذ اندلاع الحرب. ففي الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، غادر زوجها القطاع عبر معبر رفح متوجها إلى جمهورية مصر العربية لإجراء عملية جراحية عاجلة، لكن الحرب اندلعت بعد يومين فقط، ليغلق المعبر وتنقطع كل الطرق التي يمكن أن تعيده إلى أسرته.

تقول فاتن لصحيفة "فلسطين" وهي تجلس قرب طفليها اللذين كَبُرا بعيدا عن والدهما: "خرج زوجي وهو يظن أنه سيعود بعد أسبوعين فقط، ولم نكن نتخيل أننا سندخل حربا طويلة تحرمنا رؤيته حتى اليوم". تضيف بصوت متعب: "أطفالي يسألونني كل ليلة: متى سيعود والدهم؟ ولا أملك إجابة سوى الصمت".

ومنذ أكثر من ثمانية أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما تزال آلاف العائلات الفلسطينية تعيش مأساة التشتت القسري بين قطاع غزة والخارج، مع استمرار القيود الاحتلالية على فتح معبر رفح البري، المنفذ الوحيد لسكان القطاع إلى العالم الخارجي عبر الأراضي المصرية.

تنسيقات باهظة

خلال الحرب، حاولت فاتن مرارا السفر مع طفليها إلى مصر للحاق بزوجها، لكنها اصطدمت بتكاليف باهظة لما يعرف بـ"التنسيقات" تصل إلى 5000 دولار للفرد الواحد، إذ تجاوزت المبالغ المطلوبة قدرتها المالية بكثير. تقول: "طلبوا منا آلاف الدولارات للسفر، ونحن بالكاد نستطيع تأمين الطعام والماء. اضطررت لأن أختار البقاء في غزة وانتظار عودته بدلا من المخاطرة بكل شيء".

وتوضح أن زوجها يعيش ظروفا نفسية صعبة في غربته القسرية، بينما تتحمل وحدها مسؤولية طفليها وسط الحرب والنزوح والخوف المستمر. وتقول: "أحيانا أشعر أن الحرب لم تسرق منا البيت فقط، بل سرقت العائلة نفسها". وتتابع: "كل يوم أتابع الأخبار وأسأل عن معبر رفح. أصبح فتح المعبر بالنسبة لنا ليس خبرا سياسيا، بل مسألة حياة عائلية كاملة".

ومنذ سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر في مايو/ أيار 2024، باتت حركة السفر والعودة تخضع لقيود إسرائيلية مشددة، في حين  أعيد فتح المعبر بشكل محدود للغاية في فبراير/ شباط الماضي، مع استمرار التحكم الإسرائيلي في قوائم المسافرين وآليات العبور.

آخر صورة لبوابة معبر رفح قبل اقتحامه بيوم واحد من قبل الاحتلال

وبحسب تقديرات حقوقية ومصادر محلية، ينتظر آلاف الفلسطينيين العودة إلى قطاع غزة بعد أن تقطعت بهم السبل في مصر ودول أخرى، في حين يسجل عشرات الآلاف أسماءهم ضمن قوائم السفر للعلاج أو الدراسة أو الالتحاق بعائلاتهم في الخارج. كما أفاد عائدون إلى غزة بتعرضهم لتحقيقات واحتجاز لساعات طويلة قبل السماح لهم بالعبور إلى القطاع.

وقبل الحرب، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر معبر رفح ويعود مئات آخرون بصورة طبيعية، وكانت إدارة المعبر تتم بالتنسيق بين السلطات الفلسطينية في غزة والجانب المصري دون تدخل إسرائيلي مباشر. ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 نص على إعادة فتح المعبر ضمن المرحلة الأولى، فإن (إسرائيل) لم تلتزم بإعادة تشغيله بصورة طبيعية، ما أبقى آلاف العائلات رهينة الانتظار.

وحيدا في غزة

في حي مدمر بمدينة غزة، يعيش الشاب معتز مطير (19 عاما) وحيدا بعدما غادرت أسرته المكونة من سبعة أفراد إلى مصر للعلاج، في حين بقي هو عالقا داخل القطاع لأن اسمه لم يكن مشمولا ضمن التحويلة الطبية.

يقول مطير لصحيفة "فلسطين": "في اليوم الذي سافرت فيه عائلتي شعرت أن غزة أصبحت أكبر وأكثر قسوة. عدت إلى البيت فلم أجد أحدا". ويوضح أن والدته كانت بحاجة عاجلة للعلاج في الخارج، فحصلت الأسرة على تحويلة سمحت بسفر الوالدين وإخوته الأصغر سنا، لكن السلطات رفضت سفره لأنه تجاوز الثامنة عشرة.

ويضيف: "وقفت عند باب المعبر أراقبهم يرحلون. أمي كانت تبكي وتقول إنها لن تتأخر، لكن الشهور تحولت إلى سنوات من الانتظار". منذ ذلك الوقت، يعيش معتز بمفرده متنقلا بين بيوت الأقارب والأصدقاء، محاولا تدبير حياته اليومية في مدينة أنهكتها الحرب.

ويقول: "أصعب شيء ليس الجوع أو الخوف، بل الوحدة. أحيانا أمرض ولا أجد من يسأل عني". ويتابع: "أبي يتصل بي كل يوم من مصر ويطلب مني الصبر، لكنني أشعر أنني فقدت معنى العائلة".

ورغم محاولات أسرته المتكررة لإيجاد طريقة قانونية لخروجه من غزة، فإن إغلاق معبر رفح والقيود المفروضة على السفر جعلا الأمر شبه مستحيل. ويقول مطير: "أحلم فقط بأن أجلس مع عائلتي على طاولة واحدة. لا أريد شيئا آخر من هذه الحياة".

سنوات من الانتظار

أما وسام التري (35 عاما)، فيعيش نوعا آخر من الفقد اليومي. فقد اضطرت زوجته إلى مرافقة طفلتهما المصابة إلى تركيا للعلاج بعد تعرض الطفلة لبتر في قدمها نتيجة قصف إسرائيلي وقع قرب خيمتهم في دير البلح وسط قطاع غزة.

يقول التري لصحيفة "فلسطين": "في تلك الليلة سقط الصاروخ بالقرب منا، وتحولت حياتنا كلها في ثوان". أصيبت طفلته بجروح خطيرة استدعت نقلها للعلاج خارج القطاع، فيما قرر الأطباء أن ترافقها والدتها بسبب حالتها الصحية الحرجة.

ومنذ سفرهما، يعيش التري وحيدا في غزة، يتابع يوميا أخبار معبر رفح على أمل أن يتمكن من اللحاق بعائلته. ويقول: "ابنتي تخضع للعلاج في تركيا، وأنا أشاهدها فقط عبر شاشة الهاتف". ويضيف: "كلما سمعت خبرا عن فتح المعبر أشعر بالأمل، ثم أكتشف أن الأعداد المسموح لها بالسفر قليلة جدا".

ويخشى التري أن يستمر انفصاله عن زوجته وطفلته سنوات طويلة بسبب بطء إجراءات السفر والقيود المفروضة على المعبر. ويقول: "ابنتي تحتاج والدها بجانبها، وأنا أشعر بالعجز لأنني لا أستطيع حتى احتضانها". ويتابع: "الحرب لم تكتف بإصابة الأطفال، بل مزقت العائلات أيضا".

وبين قصص فاتن ومعتز ووسام، تتكرر الحكاية ذاتها لعائلات فلسطينية تعيش على جانبي الحدود، معلقة بين الأمل والانتظار. ومع استمرار القيود على معبر رفح، يتحول لم الشمل بالنسبة لآلاف الفلسطينيين من حق إنساني طبيعي إلى حلم بعيد المنال.

المصدر / فلسطين أون لاين