يسبق الانتظار الألم، لكن في غزة بات الألم نفسه ينتظر، فعلى كراسٍ متحركة، وعكازات، وأسرّة متهالكة، اجتمع جرحى ومرضى فلسطينيون داخل ساحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، أمس، في وقفة احتجاجية حملت وجع آلاف المرضى العالقين بين التحويلات الطبية والمعابر الموصدة.
لم تكن الوقفة مجرد مطالبة بالسفر، بل صرخة لإنقاذ أرواح تتدهور يومًا بعد آخر، في وقت تعجز فيه مستشفيات القطاع، بفعل الحرب والحصار ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، عن توفير العلاج التخصصي الذي يحتاجونه.
رفع المشاركون في الوقفة نداءاتهم إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية، مطالبين بفتح المعابر وتسهيل سفر المرضى والجرحى الحاصلين على تحويلات طبية للعلاج في الخارج، مؤكدين أن استمرار إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر يحرمهم من حقهم في العلاج، ويجعل كل يوم يمر سببًا إضافيًا في تدهور أوضاعهم الصحية، وربما فقدان حياتهم.
وسط الحشد، وقفت كوكب جميل غبن، وهي تتابع رحلة علاج زوجها الجريح ياسين معروف، الذي يعاني إصابات خطيرة في ساقيه، بينها غرغرينا، ويحتاج إلى زراعة عظم وعمليات جراحية متخصصة لا تتوفر في قطاع غزة.
تقول معروف لصحيفة "فلسطين" إن زوجها حصل على تحويلة طبية للعلاج في الخارج منذ شهرين، إلا أنه لا يزال ينتظر السماح بالسفر، بينما تتفاقم حالته يومًا بعد يوم.
وتضيف أن الأسرة لا تتلقى سوى وعود متكررة بأن ملفه “مرشح” أو “معتمد”، لكن دون أي موعد فعلي للمغادرة، مشيرة إلى أن الانتظار بات يعني مزيدًا من الألم، ومزيدًا من فقدان الأمل لدى المرضى الذين يرون حالاتهم تتراجع أمام أعينهم دون قدرة على تغيير الواقع.

وفي زاوية أخرى من الوقفة، لم تتمالك ميرفت المصري دموعها وهي تتحدث عن زوجها الجريح فضل المصري، الذي أصيب خلال الحرب قبل أكثر من عام، ولا يزال عاجزًا عن الحركة بعد إصابة بالغة في ساقيه.
وتوضح المصري لـ"فلسطين" أن زوجها يقضي معظم وقته داخل المستشفيات، فيما تدهورت حالته الصحية بسبب الكسور والإصابات، إضافة إلى تأثر وظائف الكلى نتيجة الاستخدام الطويل للمسكنات.
وتقول إن زوجها حصل على تحويلة طبية للعلاج في الخارج، لكن محاولات سفره تعثرت مرارًا، مؤكدة أنها لا تطلب السفر إلى دولة بعينها، بل إلى أي مكان يستطيع فيه إجراء العملية الجراحية التي قد تعيده إلى الوقوف على قدميه.
وتضيف بحسرة أنها ترافقه وحدها بعدما غادر أبناؤهما القطاع منذ سنوات، لتتحمل وحدها رحلة العلاج ورعاية زوجها في ظل ظروف إنسانية قاسية.
أما جهاد حمودة، فتصف كيف تحولت إصابة زوجها جهاد حمودة خلال الحرب إلى مأساة يومية تعيشها الأسرة بأكملها.
وتوضح أن زوجها كان يعاني مشكلة صحية قبل الحرب، لكن إصابته الأخيرة تسببت في خلع بمفصل الحوض وتآكل شديد فيه، ما جعله بحاجة إلى زراعة مفصل صناعي في الخارج، وهي عملية لا يمكن إجراؤها داخل غزة.
وتشير إلى أن زوجها يعتمد اليوم على عكازين، فيما تتزايد آلامه باستمرار، محذرة من أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى تآكل المفصل الآخر أيضًا، لينتهي به الأمر على كرسي متحرك.
وتقول إن أعباء الحياة أصبحت على كاهلها وبناتها الأطفال الأربع، اللواتي يساعدنها في جلب المياه وتلبية احتياجات الأسرة، بعدما فقد رب الأسرة قدرته على العمل والحركة.

ولم تكن معاناة المرضى مقتصرة على مصابي الحرب، إذ روت أسمهان أبو سلطان رحلة ابنها سعيد فسفوس، الذي يعاني من مثانة عصبية منذ طفولته، وتنقل على مدار نحو عشرين عامًا بين مستشفيات قطاع غزة دون أن يحصل على العلاج الذي يحتاجه.
وتوضح أن حالته تدهورت بصورة كبيرة، فأصبح بحاجة إلى زراعة مثانة، قبل أن يتطور الأمر إلى فشل كلوي يستدعي أيضًا زراعة كلية، بينما أبدى والده استعداده للتبرع له بإحدى كليتيه.
وتؤكد أن الأسرة استكملت إجراءات التحويلة الطبية، وتلقت اتصالات للاستفسار عما إذا كان سعيد قد تمكن من السفر، لكنه لا يزال ينتظر فتح المعابر، فيما تتراجع وظائف كليتيه ويحتاج بصورة متكررة إلى نقل وحدات دم ورعاية طبية مستمرة.
أما إسلام محمد وادي، والدة الطفلة سهام مصطفى شعت (8 أعوام)، فتعيش مع ابنتها معاناة من نوع آخر.
وتقول إن طفلتها أصيبت، وفق روايتها، بشلل رباعي كامل، وأصبحت غير قادرة على المشي أو الحركة أو الكلام، وتحتاج إلى علاج وتأهيل متخصص خارج قطاع غزة.
وتضيف أن سهام حصلت على تحويلة طبية منذ نحو عام، إلا أن ملفها لا يزال معلقًا، بينما تمر الأيام دون أي تقدم في إجراءات سفرها، مناشدة إنقاذ طفلتها ومنحها فرصة للعلاج، شأنها شأن مئات الأطفال المرضى الذين ينتظرون فتح المعابر.
وتعكس هذه الشهادات جانبًا من الأزمة الصحية المتفاقمة في قطاع غزة، حيث يجد آلاف المرضى والجرحى أنفسهم عالقين بين الحاجة الملحة للعلاج وبين استمرار إغلاق المعابر، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والتجهيزات اللازمة لإجراء العمليات والعلاجات التخصصية

