فلسطين أون لاين

الدكتور سعيد الزبدة.. أكاديمي تقني بارز أبادته الحرب وعائلته

...
الأكاديمي الدكتور سعيد الزبدة
غزة/ صفاء عاشور:

في قطاع غزة، حيث تتقاطع مسارات التعليم مع أزمات الحصار والحرب، تبرز سِيَر أكاديميين صنعوا فارقًا حقيقيًا في بناء مؤسسات التعليم العالي، على الرغم من كل الظروف القاسية، من بين هذه الأسماء، يبرز الدكتور سعيد أنور الزبدة، أحد أبرز الأكاديميين في مجال هندسة الاتصالات الإلكترونية والحاسوب، ورئيس الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، الذي جمع بين الخبرة العلمية والرؤية التطويرية، قبل أن يستهدفه جيش الاحتلال إبّان حرب الإبادة، ليستشهد مع عائلته نهاية 2023.

وُلد الدكتور سعيد الزبدة في مدينة غزة، ونشأ فيها ضمن بيئة فلسطينية واجهت تحديات سياسية واقتصادية متراكمة. منذ بداياته، اتجه نحو التميز العلمي، فاختار دراسة هندسة الاتصالات الإلكترونية والحاسوب، وهو مجال كان في ذلك الوقت من أكثر التخصصات ارتباطًا بالمستقبل والتحول التقني.

مسار علمي دولي

واصل الزبدة مسيرته الأكاديمية خارج فلسطين، إذ حصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في هندسة الاتصالات الإلكترونية والحاسوب من جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة، وهي من الجامعات المعروفة في هذا المجال.

هذا التكوين الأكاديمي المتقدم منحه خبرة علمية رصينة، أهلته لاحقًا للعودة إلى غزة والمساهمة في تطوير التعليم التقني فيها.

عند عودته، التحق بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وهي إحدى أبرز مؤسسات التعليم التطبيقي في قطاع غزة، والتي تأسست لتقديم تخصصات تقنية وهندسية وإدارية تواكب احتياجات سوق العمل في بيئة محاصرة ومعقدة.

لم يكن الدكتور سعيد الزبدة مجرد محاضر أكاديمي، بل تدرج في مواقع إدارية وعلمية داخل الكلية، وشغل مناصب متعددة شملت إدارة البرامج التنموية، ثم رئاسة حاضنة الأعمال التكنولوجية، وصولًا إلى منصب مساعد رئيس الكلية لشؤون التنمية والتطوير.

هذا المسار عكس توجهه الواضح نحو ربط التعليم بالتطبيق العملي، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال بين الطلبة، وقد ساهم في دعم مشاريع طلابية ومبادرات تقنية تهدف إلى تحويل المعرفة الأكاديمية إلى حلول عملية تخدم المجتمع.

لاحقًا، تولى رئاسة الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، ليقود واحدة من أهم المؤسسات الأكاديمية في غزة في مرحلة شديدة التعقيد، واجهت خلالها المؤسسات التعليمية تحديات كبيرة جراء الحصار الإسرائيلي ونقص الموارد.

وخلال رئاسته للكلية الجامعية، ركّز الدكتور سعيد الزبدة على تعزيز التعليم التطبيقي، وتطوير البرامج الأكاديمية، وربط التخصصات بسوق العمل، إضافة إلى دعم البحث العلمي والمشاريع الابتكارية.

كان يؤمن بأن التعليم في غزة يجب أن يتجاوز فكرة الشهادة إلى بناء قدرات إنتاجية حقيقية، وأن الجامعات يجب أن تتحول إلى منصات للتطوير المجتمعي رغم كل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة.

في شهادة إنسانية مؤثرة، يروي شقيقه أحمد الزبدة تفاصيل الأشهر الأخيرة في حياة الدكتور سعيد، حيث كان ملازمًا له خلال فترة الحرب.

يقول أحمد إن شقيقه: "كان يرفض مغادرة مدينة غزة باتجاه الجنوب رغم شدة القصف والخطر"، مؤكدًا أنه كان يرى في بقائه التزامًا تجاه الجامعة والطلبة، وأنه لم يكن يفكر بالنجاة الفردية بقدر ما كان يفكر باستمرار العملية التعليمية.

ويضيف: "كان يحمل همّ الطلبة والكلية، ويرى أن التعليم يجب أن يستمر مهما كانت الظروف، لم يكن مجرد إداري، بل صاحب رسالة".

كما يشير إلى أن الدكتور سعيد كان قريبًا جدًا من أسرته، ويعيش حياة بسيطة رغم موقعه الأكاديمي، وكان دائم التواصل مع الطلبة، ويشجعهم على مواصلة مسيرة التعليم والتفوق.

يوم 31 ديسمبر 2023، استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل الدكتور سعيد الزبدة في مدينة غزة، في حادثة أدت إلى استشهاده مع زوجته وأطفاله الثلاثة، ولد وبنتين، لتُمسح العائلة بأكملها من السجل المدني، في إطار سلسلة ضربات طالت شخصيات أكاديمية في غزة خلال الحرب، ما أدى إلى خسائر كبيرة في البنية التعليمية والبحثية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والهندسة.

برحيله، فقدت الكلية الجامعية أحد أبرز قياداتها الأكاديمية، كما فقدت غزة أحد الكفاءات المتقدمة في مجال الاتصالات والهندسة، في سياق حرب إبادة طالت الإنسان والبنية التعليمية معًا.

أثر علمي لا يُمحى

ويؤكد شقيقه أحمد، أن الدكتور سعيد الزبدة، رغم رحيله يبقى إرثه حاضرًا في المؤسسة التي قادها، وبين الطلبة الذين تأثروا برؤيته التعليمية، وفي المشاريع التي ساهم في تأسيسها أو تطويرها، تجسيدًا لإيمانه بأن غزة قادرة على إنتاج المعرفة رغم الحصار، وأن الاستثمار في العقول هو الطريق الوحيد للمستقبل، وهي الفكرة التي ما زالت حاضرة لدى طلبته وزملائه".

ويختتم شقيقه حديثه بالإشارة إلى أن "غزة قادرة على إنجاب نماذج جديدة مثل الراحل سعيد"، مؤكدًا أن ما زرعه من علم وفكر لا ينتهي برحيله، بل يستمر في جيلٍ تربى على يديه أو تأثر بمسيرته".

المصدر / فلسطين أون لاين