لا يمكن النظر إلى مسرحية حل الكنيست التي دشنها بنيامين نتنياهو في 20 مايو 2026 بمعزل عن العاصفة الإقليمية التي تضرب بالكيان الصهيوني من أطرافه كافة. إنها ليست مجرد أزمة ائتلافية عابرة، بل لحظة انكشاف إستراتيجي عميق يلتقي فيها انهيار الجبهة الداخلية بتعثر المخطط العسكري والأمني على امتداد جبهات القتال من طهران إلى بيروت مرورا بغزة.
في جانبها التشريعي الظاهر تتعلق الأزمة بمشروع قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية الحريديم من التجنيد الإلزامي، وهو الملف الذي فجر التناقض البنيوي داخل الائتلاف الحاكم بعد أن أقر نتنياهو شخصيا لقادة الأحزاب الحريدية بأنه لا يملك أغلبية لتمرير القانون المطلوب، ليس بسبب رفض المعارضة فحسب، بل بفعل تمرد داخل كتلة الليكود ذاتها، وهذا الاعتراف الذي بدا تقنيا في شكله حمل في جوهره اعترافا ضمنيا بفقدان السيطرة على كتلة الحكم الأساسية.
إلا أن الانكشاف الأعمق يتمثل في أن الأزمة ليست وليدة ملف التجنيد فحسب، بل هي انعكاس مباشر للخسائر البشرية الهائلة التي تكبدها جيش الاحتلال منذ عملية طوفان الأقصى فبعد عامين ونصف العام من الحرب المتواصلة صار النقص في القوات العاملة والاحتياط يشكل عجزا هيكليا يهدد جهوزية الجيش نفسه، وهو ما دفع المؤسسة العسكرية إلى التحذير العلني من تداعيات استمرار إعفاء كتلة بشرية واسعة من الخدمة هنا تحديدا يصبح قانون الإعفاء ليس مجرد تشريع ديني بل مسألة أمن قومي وجودي في نظر القيادة العسكرية وهو ما فتح جبهة صامتة بين المستويين العسكري والسياسي.
وفي إدراكه لخطورة اللحظة أقدم نتنياهو على مبادرة استباقية بتقديم مشروع حل الكنيست بيده لا لشيء إلا لكي يمسك بتوقيت الانهيار قبل أن تمسك به المعارضة. إنها مناورة رجل الدولة الذي يعرف أن حله للبرلمان على إيقاع شروط غريمه يعني هزيمة سياسية مدوية قد تعجل بسقوطه ليس فقط في الانتخابات بل في قفص المحكمة حيث تنتظره قضايا الفساد وتهم جرائم الحرب.
غير أن الانكشاف لا يقف عند حدود الجبهة الداخلية فحل الكنيست يأتي فيما الكيان غارق حتى أذنيه في حرب متعددة الجبهات لم يشهدها منذ حرب أكتوبر 1973 بل ربما هي الحرب الأكثر تعقيدا في تاريخه الممتد منذ النكبة.
فعلى الجبهة الإيرانية لا تزال آلة الحرب مشتعلة رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فالتقديرات العسكرية الإسرائيلية نفسها تتحدث عن احتمال استئناف القتال مع طهران في أية لحظة، وهو ما أكده اتصال ترامب ونتنياهو الأخير الذي ناقش خيار توجيه ضربة أشد قسوة لإيران. الكيان الذي راهن على حسم عسكري سريع وجد نفسه أمام خصم يمتلك مفاجآت تقنية وعقائدية لم تكن في الحسبان، من الصاروخ الفرط صوتي إلى إحكام القبضة على ممرات الطاقة الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، إذ دشنت طهران للتو هيئة لإدارة المضيق تفرض بموجبها شروط العبور والرسوم في تحدٍّ مباشر لمنطق الردع الغربي. إنه ليس جبهة عسكرية فحسب بل جبهة اقتصادية إستراتيجية بامتياز.
وعلى الجبهة اللبنانية يواصل حزب الله عملياته وفق عقيدة القتال التراجعي التي تبتلع القوات الإسرائيلية المتوغلة في جنوب لبنان، وقد أثبتت الوقائع الميدانية أن الحديث عن نزع سلاح الحزب بالقوة لا يعدو كونه وهما إستراتيجيا، فالتقارير العسكرية تؤكد أن مسيرات الحزب الانقضاضية باتت تشكل تهديدا نوعيا للقوات الإسرائيلية فيما تواصل إسرائيل غاراتها تحت ذريعة عدم التزام الحزب بوقف إطلاق النار في مشهد مكشوف لكل ذي عينين حيث الذهاب إلى التفاوض تحت النار هو القاعدة وليس الاستثناء.
أما جبهة غزة فرغم مرور 200 يوم على اتفاق شرم الشيخ فإن إسرائيل تواصل التنصل من استحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها الانسحاب الكامل ووقف الاغتيالات وإدخال المساعدات وفتح معبر رفح بصورة طبيعية. وتكشف مصادر المفاوضات الجارية في القاهرة أن الأزمة بلغت طريقا مسدودا بعد فشل الأطراف في الاتفاق وتعنت إسرائيل في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى قبل الانتقال للمرحلة الثانية، وهذا يعني أن الجبهة هناك ليست هادئة ولا محسومة، بل هي على صفيح ساخن قابل للانفجار في أية لحظة.
وعند هذه النقطة بالذات يبلغ التحليل الاستراتيجي ذروته، فالرجل الذي يقدم على حل الكنيست هو نفسه الرجل الذي يضغط على واشنطن لاستئناف الحرب على إيران ويواصل في الوقت نفسه عدوانه على لبنان مخترقا وقف إطلاق النار الذي جرى برعاية أمريكية. إنه المأزق المركب الذي يلخص واحدة من أعمق معضلات الكيان، فنحن أمام حالة من الهروب إلى الأمام تقودها شخصية سياسية ترى في تأجيج الجبهات الخارجية مخرجا وحيدا من ورطاتها الداخلية، لكن هذه المرة اصطدم الهروب إلى الأمام بجدار صلب هو انهيار الائتلاف الحاكم نفسه.
وهنا لا بد من وقفة مع المصطلح، فما يجري ليس مجرد أزمة حكومية قابلة للحل بتعديل وزاري أو صفقة ائتلافية جديدة، ما يجري هو انهيار متعدد المستويات انهيار تشريعي يعجز فيه الكنيست عن إنتاج تشريع جامع وانهيار أمني يبدو فيه الجيش مكشوفا على جبهات متعددة بلا احتياطي إستراتيجي كافٍ، وانهيار سياسي يتآكل فيه الائتلاف من الداخل، في حين تتربص به المعارضة من الخارج وانهيار قانوني يتهدد فيه رأس الهرم السياسي بملاحقة دولية لا هوادة فيها.
والأخطر من ذلك كله أن التوقيت يبدو كأنه اختير بعناية ليكون لحظة المواجهة الحاسمة، ففي الوقت الذي كان يفترض أن تتماسك فيه الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الوجودية المحدقة بالكيان يجد الكيان نفسه منهمكا في معركة سياسية طاحنة على هويته الداخلية، فالحريديم الذين كانوا بالأمس القريب البيضة القبانية في كل ائتلاف حكومي صاروا اليوم ورقة التوازن التي قد تطيح بالبيت كله من داخله.
في المحصلة النهائية لا يمكن النظر إلى مشهد حل الكنيست بمعزل عن المشهد الإقليمي الكلي، فالكيان الذي راهن على إستراتيجية الحسم العسكري السريع في غزة ولبنان وإيران يكتشف بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب أن الرهان كان خاسرا على كل الجبهات، وأن التكلفة لم تعد محصورة في الخسائر المادية والبشرية، بل امتدت لتنخر في أساسيات التماسك الداخلي ذاته إنها لحظة الحقيقة التي طالما حذر منها الإستراتيجيون الكبار، لحظة تتساقط فيها الأوراق السياسية على وقع طبول الحرب التي لم تضع أوزارها بعد.

