حذر باحث مقدسي من أن الاحتلال الإسرائيلي ينتقل من سياسة الاقتحامات المؤقتة إلى فرض وقائع تهويدية دائمة حول المسجد الأقصى، عبر 7 نقاط محورية تحيط بالمسجد من جهاته الشمالية والغربية، مؤكدا أن الجمعة الماضية شهدت أخطر تصعيد في الأقصى منذ احتلال شرقي القدس عام 1967، في ظل تواصل الاقتحامات ومحاولات تكريس الطقوس التوراتية داخل وفي محيط المسجد.
وقال الباحث زياد ابحيص، لصحيفة "فلسطين"، أمس، إن ما جرى الجمعة الماضية لم يكن حدثا عابرا، بل محطة مفصلية تعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة جديدة من التهويد المنظم، موضحا أن الاقتحامات الأخيرة شهدت مشاركة آلاف المستوطنين ووزراء في حكومة اليمين المتطرفة، إلى جانب أداء طقوس جماعية ورفع أعلام الاحتلال داخل المسجد الأقصى، وهو ما اعتبره "تحول" بنيويا" في طبيعة الاعتداءات.
وأوضح أن الاحتلال يعمل حاليا عبر سبع نقاط رئيسية تحيط بالمسجد الأقصى، بهدف تحويلها تدريجيا إلى فضاءات صلاة وطقوس توراتية دائمة، تبدأ من ساحة الإمام الغزالي قرب باب الأسباط، مرورا بباب الملك فيصل، وباب الحديد، وسوق القطانين، وما يسمى "المبكى الصغير"، وصولا إلى باب السلسلة وساحة البراق.
7 نقاط لتطويق الأقصى وفرض التهويد
وأشار إلى أن خطورة هذه النقاط لا تكمن فقط في الاقتحامات، بل في تحويلها إلى "حلقة تطويق ديني" حول المسجد، بحيث يصبح محيط الأقصى خاضعا تدريجيا لبنية تهويدية متكاملة، تعيد تعريف وظيفة المكان وتغير طبيعته التاريخية والدينية والقانونية.
وأضاف أن الجمعة الماضية شهدت سابقة وصفها بالأخطر منذ عام 1967، تمثلت بتنظيم صلاة جماعية لآلاف المستوطنين في ساحة الإمام الغزالي قرب باب الأسباط، مؤكدا أن هذه الخطوة تحمل دلالة خطيرة لأنها تنقل الطقوس التوراتية من الاقتحام المؤقت إلى محاولات تثبيت دائم في محيط المسجد.
وبيّن ابحيص، أن الاحتلال لم يعد يكتفي بتنظيم اقتحامات المستوطنين داخل الأقصى، بل بات يعمل على إنشاء فضاءات توراتية موازية حوله، بما يشبه النموذج الذي فرض في ساحة البراق بعد احتلال القدس، معتبرا أن ما يجري اليوم محاولة لتكرار التجربة ذاتها على أكثر من نقطة محيطة بالمسجد.
وأشار أن ما جرى يوم الخميس قبل الماضي كان تمهيدا مباشرا لتصعيد الجمعة، اذ شهد المسجد اقتحاما واسعًا شارك فيه أكثر من 1400 مستوطن، بحماية أمنية وسياسية غير مسبوقة، إلى جانب مشاركة وزراء وأعضاء كنيست في الطقوس والرقصات ورفع أعلام الاحتلال داخل المسجد.
وقال الباحث المقدسي، إن هذا المشهد يعكس تحول شرطة الاحتلال من جهة كانت تمنع بعض المظاهر الاستفزازية داخل الأقصى، إلى جهة تنظم وتحمي تلك المظاهر، بما في ذلك رفع الأعلام الإسرائيلية داخل الساحات، وهو ما يشير إلى تغير واضح في قواعد التعامل مع المسجد.
وأشار إلى أن الاحتلال كان يسعى يوم الجمعة الماضي إلى فرض اقتحام جديد للمسجد بعد صلاة الجمعة، عبر خلق حالة من التوتر تسمح بإخراج المصلين بالقوة، إلا أن بقاء عشرات الآلاف الفلسطينيين داخل الأقصى حتى ساعات المساء أفشل هذا المخطط ومنع تنفيذ اقتحامه من المستوطنين بالشكل الذي كان مخططا له.
وحذر من أن الاحتلال يتجه إلى تكثيف الاقتحامات هذا اليوم (الجمعة)، باعتبارها أياما تحمل رمزية دينية وسياسية، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستشهد محاولات جديدة لفرض وقائع تهويدية مرتبطة بما يسمى "عيد الأسابيع" اليهودي.
من التدرج إلى فرض الوقائع
وأوضح ابحيص أن هذا العيد، رغم تراجعه تاريخيا في الوعي الديني اليهودي مقارنة بأعياد أخرى، استعاد أهميته لدى جماعات (الهيكل) المتطرفة بسبب ارتباطه بفكرة تقديم القرابين داخل المسجد الأقصى، وهو ما يمنحه بعدا خطيرا في سياق محاولات فرض الرواية التوراتية على المكان.
وأضاف أن جماعات الهيكل تسعى خلال الاقتحامات المقبلة إلى محاولة إدخال "قرابين نباتية" وربما حيوانية إلى المسجد، باعتبار ذلك تكريسا لفكرة التعامل مع الأقصى وكأنه (الهيكل) المزعوم، حتى وإن بقيت المعالم الإسلامية قائمة.
وأكد ابحيص أن تكرار الاقتحامات والطقوس في أيام متقاربة يعكس محاولة إسرائيلية للانتقال من التغيير التدريجي" إلى "التغيير الحاسم"، عبر فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلا، سواء في إدارة المسجد أو في هويته الدينية.
وتوقف الباحث المقدسي عند قرار وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش الدفع نحو إخلاء الخان الأحمر، معتبرا أن القرار يحمل أبعادا سياسية تتجاوز التجمع البدوي نفسه، وترتبط مباشرة بمشروع تهويد القدس.
وقال إن توقيت القرار ليس منفصلا عن الحديث عن مذكرات اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين بينهم سموتريتش ذاته، موضحا أن الوزير المتطرف يحاول تقديم إخلاء الخان الأحمر كرسالة تحد للمحكمة وللضغوط الدولية.
وأشار إلى أن الخان الأحمر يقع في قلب مشروع "E1" الاستيطاني، الذي يهدف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة، بما يؤدي فعليا إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وإنهاء أي تواصل جغرافي فلسطيني في تلك المنطقة.
وأضاف أن خطورة المشروع تكمن في أنه لا يستهدف فقط عشرات العائلات الفلسطينية، بل يستهدف إعادة رسم حدود القدس وفرض كتلة استيطانية متصلة تمتد شرق المدينة، بما يجعل أي حديث عن دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا أمرا شبه مستحيل.
ويواجه سكان الخان الأحمر منذ سنوات محاولات متكررة للتهجير والهدم، في ظل دعم حكومي للمستوطنين وتوسع متواصل للمشاريع الاستيطانية المحيطة بالتجمع. ويقف صمود السكان في أرضهم حتى الآن عائقا أمام تنفيذ المخطط الاستيطاني بالكامل.
يذكر أن منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية، حذرت من أن أي عملية تهجير قسري لسكان الخان الأحمر قد ترقى إلى جريمة حرب، خصوصا في ظل استخدام القوة والضغط السياسي لدفع السكان إلى الرحيل.
ويرى ابحيص أن ما يجري في القدس والخان الأحمر يعكس انتقال حكومة الاحتلال من سياسة "إدارة الصراع" إلى سياسة "الحسم الميداني"، سواء عبر السيطرة على العقارات المحيطة بالأقصى أو عبر توسيع الاستيطان وربط المستوطنات بالقدس المحتلة.
وأكد أن القدس تمر اليوم بمرحلة شديدة الخطورة، عنوانها محاولة فرض وقائع نهائية على الأرض، مشددا على أن صمود المقدسيين والمرابطين داخل الأقصى، إلى جانب التحرك الشعبي والسياسي، ما زال يشكل العامل الأبرز في تعطيل مشاريع التهويد ومنع تحويلها إلى واقع دائم

