من المهم جداً مراقبة الماكينة الإعلامية والسياسية لمنظومة تدّعي أنها "أقوى استخبارات في الشرق الأوسط"، وهي تحاول جاهدة تسويق انتصاراتها الوهمية على شاشات التلفزة.
لسنوات طويلة، بحّت أصوات المتحدثين العسكريين والناطقين بلسان البروباغندا الإسرائيلية وهم يعزفون على أسطوانة مشروخة: "القادة في الفنادق، وأبناء العامة في الخنادق".
لكن، يبدو أن الواقع في غزة يعاني من "عناد وثائقي" شديد يرفض الانصياع للمخرج الإسرائيلي.
أولاً: كسر السردية
هل الفنادق التي تقع في المخيم، أم في المعسكر!
أمام محكمة الحقائق التاريخية على الأرض، تسقط السردية الإسرائيلية في أول اختبار للمصداقية.
حين يستشهد القائد عز الدين الحداد "أبو صهيب"، ومعه زوجته ونجله، ملتحقاً بمن سبقه من أبنائه وإخوانه، وحين يقضي قبلهم عزام نجل القائد خليل الحية، فإننا لا نتحدث هنا عن "جناحات ملكية في عواصم الضباب"، بل نتحدث عن خطوط المواجهة الأولى وعن عائلات كاملة تُباد لأنها رفضت مغادرة جغرافية الدم والبارود.
الخرائط الاستخبارية الإسرائيلية تصاب فجأة بالعمى عندما يتعلق الأمر بترف القادة؛ فهم لا يجدونهم في الخنادق، ولا ساحات القتال أوقاعات المؤتمرات، بل يجدونهم تحت ركام بيوتهم وسط مدنهم وقراهم، يقتسمون مع شعبهم الحصار، والجوع، والشهادة.
السخرية الحقيقية هنا تكمن في أن الاحتلال، ومن فرط صدمته من "تجذر" هؤلاء القادة في أرضهم، أصبح يستهدف حتى عائلاتهم بأثر رجعي، كدليل عجز عن فصل القيادة عن قاعدتها الشعبية.
ثانياً: الفهلوة القانونية.. كيف تحوّل "الحلاق وبائع الخضار" إلى هدف عسكري؟
هنا نتحول إلى عبقرية (جيش الاحتلال) في إعادة تفسير القانون الدولي الإنساني.
البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 واضح وضوح الشمس: "يكفل القانون حماية المدنيين من الأخطار الناشئة عن العمليات العسكرية".
حتى لو افترضنا جدلاً، تماشياً مع الهوس الإسرائيلي، أن الشخص المستهدف يمتلك صفة عسكرية، فإن القانون الدولي يضع شرطاً صارماً يُعرف بـ "مبدأ التناسب" و"مواجهة الأعمال العدائية المباشرة".
الاحتلال يمارس "الفهلوة القانونية"؛ ينتظر القائد حتى يعود إلى بيته، يخلع درعه، ويمارس حياته المدنية الطبيعية وسط عائلته وجيرانه، ليتحول في تلك اللحظة إلى "هدف مشروع" في نظر تل أبيب!
بموجب هذا المنطق الإسرائيلي الملتوي، فإن أي عمل مدني يقوم به أي شخص يرتبط بالمقاومة يعطي الحق لجيش الاحتلال بإبادة مربع سكني كامل.
القانون الدولي يقول: إذا كان العسكري لا يشارك في أعمال عدائية مباشرة وهو في بيئة مدنية، فإن استهدافه بما يوقع مجازر في صفوف المدنيين هو جريمة حرب موصوفة.
لكن يبدو أن النسخة الإسرائيلية من كتاب القانون الدولي تمت ترجمتها في مسالخ الجزارة الانسانية وليس في أروقة لاهاي.
ثالثاً: العقيدة العسكرية لـ "البلدوزر الأعمى" (التعسف كإستراتيجية)
إذا أردنا تقديم أدلة إثبات قطعية أمام محكمة العدل الدولية على "النية الإجرامية المسبقة" و"الاستخدام المفرط والتعسفي للقوة"، فلننظر إلى التكتيك العملياتي للاغتيال الأخير:
لم يتم استهداف شقة القائد "أبو صهيب" بصاروخ دقيق (كما يتبجحون تكنولوجياً)، بل تم قصف الشقة، والشقة التي فوقها، والتي تحتها، وفي جرائم أخرى تتم مسح البناية، ثم -وزيادة في "الحرص الاستخباري"- قصف كل سيارة صدف تحركها في محيط المكان!
هذا السلوك يثبت بنيوياً أن الهدف ليس تحييد "خطر عسكري داهم"، بل إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية لترهيب الحاضنة الشعبية، وهو ما يُصنف قانونياً كـ "عقاب جماعي" يحظره القانون الدولي الإنساني جملة وتفصيلاً.
رابعاً: طقوس الغدر في "زمن التهدئة".. سخرية الحبر والضامنين!
ولعلّ النكتة الأكثر مرارة وسوداوية في هذا المشهد السريالي، هي أن هذا الاستهداف المتواصل للقادة والكوادر، ومقرات الحكومة التي تدير شؤون الناس الحياتية، يجري في الوقت الذي لم يجف فيه حبر اتفاق وقف إطلاق النار!
نحن أمام مشهد يتجاوز مجرد "الخروقات الأمنية" إلى "استخفاف سياسي واستهتار معلن" بالوسطاء الإقليميين والدوليين وضامني الاتفاق.
يوقعون باليمين على التهدئة، ويرسلون باليسار طائرات الاستطلاع لتعقب الموظف الحكومي والقيادي الميداني.
هذا السلوك يعكس عقلية العصابة التي لا ترى في الاتفاقيات الدولية سوى "غطاء سياسي مؤقت" لإعادة ترتيب بنك الأهداف، وتحويل فترات التهدئة المفترضة إلى مواسم صيد غادرة ومفتوحة، مما يسقط أي شرعية سياسية أو أخلاقية للالتزامات الدولية للكيان.
سادساً: احتفالات “الإنجاز الاستخباراتي”... حين تتحول الجنازات إلى مادة دعائية
في مشهد يكاد يختصر طبيعة الحرب النفسية والإعلامية الجارية، خرج الإعلام الإسرائيلي يجول في سديروت ناقلاً أجواء الاحتفال بما وصفه بـ “الإنجاز الاستخباراتي” بعد الإعلان عن تصفية عز الدين الحداد.
العناوين العبرية بدت وكأنها تغطي إطلاق منتج تكنولوجي جديد، لا عملية عسكرية أودت بحياة بشر داخل حي مدني مكتظ؛
“ضربة دقيقة”،
“نجاح استخباراتي”،
“انهيار قيادة حماس”،
و”أحجار الدومينو تتساقط”.
بل إن الخطاب الإعلامي والعسكري الإسرائيلي تجاوز توصيف العملية إلى حالة من “الشماتة العقائدية” العلنية، حيث وصف المتحدث العسكري الإسرائيلي القيادي المستهدف بأنه من “ثلة الإرهابيين الذين شوهوا الإنسانية”، متباهياً بأن “قيادة حماس تسقط كأحجار الدومينو حتى انهيارها الكامل”.
غير أن المفارقة الساخرة هنا، أن الاحتلال يتحدث بلغة “الدقة الجراحية”، بينما صور الدمار على الأرض تكشف منطق “البلدوزر الأعمى” ذاته: بنايات سكنية سويت بالأرض، وعائلات كاملة دفنت تحت الركام، ومربعات مدنية تحولت إلى غبار بحجة استهداف شخص واحد.
وهنا تحديداً تتجلى الأزمة الأخلاقية العميقة في الخطاب الإسرائيلي؛ إذ يجري تسويق القتل الجماعي باعتباره “إنجازاً أمنياً”، بينما يُعاد تعريف المجازر على أنها “نجاحات عملياتية دقيقة”.
أما على مستوى الوعي الجمعي الفلسطيني، فإن الصورة تنقلب بالكامل؛ فبينما ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في اغتيال القادة “سقوطاً لأحجار الدومينو”، ينظر جزء واسع من الفلسطينيين إلى هؤلاء باعتبارهم رموزاً ارتبطت –في المخيال الشعبي– بالصمود والبقاء داخل الميدان حتى اللحظة الأخيرة.
ومن هنا يتعمق صراع السرديات:
إسرائيل تحاول تصوير المشهد باعتباره “انتصاراً استخباراتياً نهائياً”،
بينما يتحول القائد المقتول، في الرواية المقابلة، إلى رمز تعبوي جديد يُضاف إلى الذاكرة الجمعية للحرب.
إنها معركة لا تُحسم بالصواريخ وحدها، بل بالمعنى الذي تتركه الصور والدماء والخطابات في وعي الشعوب والتاريخ.
ختاماً: وهم "قطع رأس الأفعى"..
يسير الاحتلال في إستراتيجية اغتيال القيادات واحداً تلو الآخر مدفوعاً بـ "وهم استراتيجي صبياني" يظن أن المقاومة عبارة عن "شركات تجارية" تسقط بمجرد تصفية مجلس إدارتها!
غاب عن ذهن جنرالات تل أبيب المأزومين أن الشعب الفلسطيني "شعب ولّاد" بامتياز، بنيته الهيكلية مرنة وجيناته التنظيمية قائمة على الإحلال التلقائي.
تاريخياً، كلما غاب قائد، تقدّم من خلفه عشرة، وكلما ظن الاحتلال أنه يقطع "رأس الأفعى"، تفاجأ بأنه يواجه حركة أفقية تتكاثر بالانقسام الخلوي الفكري؛ فالقائد في غزة ليس مجرد رتبة عسكرية يمكن شطبها من السجلات، بل هو فكرة، والفكرة -كما يعلم علم الاجتماع السياسي- لا تموت بالصواريخ الارتجاجية.
إن سياسة الاغتيال المتسلسل لم تزد هذه البنية إلا صلابة، وتحول دماء القادة إلى وقود تعبئة يدفع بأجيال جديدة، أكثر شراسة وتنظيماً، إلى الميدان.
خاتمة موضوعية.. من الذي انتصر في صراع السرديات؟
أمام منصة العدالة الدولية، وأمام محكمة التاريخ، تبدو الحصيلة الإستراتيجية للاحتلال بائسة:
فضح كذبة "قادة الفنادق" بدمائهم ودماء عائلاتهم التي سُفكت في قلب الخنادق والمدن.
إدانة المنظومة القانونية للاحتلال التي تحوّلت إلى أداة تبرير للمجازر بحق المدنيين تحت ذريعة استهداف العسكريين في حياتهم المدنية، وفي خرق فاضح لعهود وقف إطلاق النار أمام مرأى ومسمع الوسطاء.
إثبات الفشل البنيوي في تحقيق الهدف الاستراتيجي؛ فالقادة يترجلون شهداء، لكن "الدولة الولّادة" تستمر في الإدارة والمقاومة دون أن تهتز خطوطها.
في نهاية المطاف، قد ينجح الاحتلال في اغتيال جسد قائد، ولكنه في كل مرة، يوثق بيده المرتجفة صك إدانته الدولية، ويثبت للعالم أن "الجيش الذي لا يقهر" ليس سوى منظمة تمارس الجريمة المنظمة برداء دولتي.. والقانون، مهما طال تسييسه، سيبقى شاهداً على أن الخنادق طهرت أصحابها، بينما الفنادق السياسية في تل أبيب غارقة في دماء الأبرياء ونقض العهود.

