في الأيام الأخيرة التي سبقت استشهاده، كان المهندس بهاء زكي بارود، نائب رئيس جمعية “قوافل الخير” في قطاع غزة، يشعر بأن شيئاً ما يقترب منه.
لم يكن ذلك حديثاً عابراً أو مجرد هواجس حرب يعيشها سكان القطاع يومياً، بل ارتبط برؤيا ظل يكررها أمام المقربين منه، بعدما رأى في منامه رفيق دربه الشهيد تامر حمدان، الذي ارتقى مطلع أيار/مايو من العام الماضي خلال عمله الإغاثي.
ويروي مقربون من الشهيد لصحيفة "فلسطين" أن بهاء أخبرهم أنه رأى حمدان في المنام، وهو يخاطبه قائلاً: “راح تيجي عنا”، مكرراً العبارة ثلاث مرات، قبل أن يستيقظ متأثراً بما رأى. لم يكن يدرك حينها أن الأيام القليلة المقبلة ستقوده فعلاً إلى المصير ذاته، وأنه سيلتحق برفاقه الذين قضوا أثناء محاولاتهم إطعام الجوعى ومساعدة النازحين في قطاع غزة المحاصر.
وكان الشهيد تامر حمدان قد ارتقى العام الماضي مع خمسة من رفاقه أثناء إعداد الطعام للمجوعين، بعد استهداف طائرات الاحتلال الإسرائيلي لتكية خيرية تتبع لجمعية “قوافل الخير” في مدينة غزة، في واحدة من عشرات الهجمات التي طالت الطواقم الإنسانية والعاملين في المجال الإغاثي منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبعد أيام قليلة من تلك الرؤيا، استهدفت طائرة إسرائيلية مُسيّرة المركبة التي كان يستقلها بارود في حي النصر شمال مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاده برفقة رفيق دربه عبد الكريم نصار، وإصابة نجله محمد بجروح خطيرة.
استهداف متعمّد
ويقول ضياء بارود، شقيق الشهيد، إن بهاء خرج برفقة نجله محمد وصديقه عبد الكريم نصار لشراء بعض الملابس الجديدة استعداداً لاستقبال عيد الأضحى المبارك، قبل أيام قليلة من حلوله، قبل أن تستهدفهم طائرات الاحتلال بشكل مباشر.
وأضاف بارود لـ“فلسطين”: “شقيقي لم يكن مقاتلاً ولا يحمل سلاحاً، بل كان من أبرز العاملين في المجال الخيري والإغاثي، وكرّس وقته لخدمة الأهالي الذين يعيشون المجاعة والحصار والنزوح، وكان الاحتلال يعرف طبيعة عمله ومع ذلك تعمّد استهدافه”.
وأوضح أن بهاء أمضى شهور الحرب متنقلاً بين مراكز النزوح والمناطق المدمرة، مشاركاً في توزيع الطعام والمساعدات على العائلات المنكوبة، رغم المخاطر الكبيرة التي تهدد العاملين في المجال الإنساني داخل غزة.
وأشار إلى أن شقيقه نجا سابقاً من مجزرة مدرسة “البراق” في شارع اللبابيدي بحي النصر، وهي المدرسة التي كانت تؤوي مئات النازحين، قبل أن تتعرض لقصف إسرائيلي عنيف في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أسفر عن استشهاد نحو خمسين فلسطينياً، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وأكد أن عائلة بارود دفعت ثمناً باهظاً خلال الحرب، بعدما فقدت 29 فرداً من أبنائها في غارات إسرائيلية متفرقة، مضيفاً أن بهاء “التحق بقافلة شهداء العائلة ورفاقه العاملين في خدمة الناس”.
وبيّن أن نجل الشهيد محمد يرقد في حالة حرجة متأثراً بإصابته جراء القصف، بعدما كان يستعد كغيره من الأطفال لاستقبال العيد بثياب جديدة، قبل أن يتحول المشهد إلى مأساة جديدة تضاف إلى سجل الحرب المستمرة على غزة.
وشدد بارود على أن ما يُروَّج بشأن توقف الحرب أو تراجع عمليات القتل في قطاع غزة “غير صحيح”، مؤكداً أن الغارات والاستهدافات الإسرائيلية ما تزال تحصد أرواح المدنيين بشكل يومي.
حرب مستمرة
وقال: “الاحتلال يواصل قصف المنازل والشوارع ومراكز الإيواء، ويستهدف المدنيين والعاملين في المجال الإغاثي بشكل متكرر، وهذا دليل واضح على أن الحرب لم تتوقف بل تتواصل بأشكال مختلفة”.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي استهدافها للمدنيين والبنية الإنسانية في قطاع غزة، بما في ذلك الطواقم الطبية والإغاثية والعاملون في المؤسسات الخيرية، في سياسة يعتبرها مراقبون جزءاً من تعميق الكارثة الإنسانية وتجويع السكان.
وخلال الشهور الماضية، تعرّضت عشرات التكايا ومراكز توزيع الطعام والمساعدات للقصف المباشر، كما استُهدف متطوعون وعاملون إنسانيون أثناء أداء مهامهم الإغاثية، ما فاقم معاناة مئات الآلاف الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
ويأتي استشهاد بارود ورفاقه في وقت تتواصل فيه الهجمات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من القطاع، رغم الحديث عن تفاهمات وتهدئة، إذ لا تزال الطائرات الحربية والمسيّرات تنفذ غارات شبه يومية توقع مزيداً من الضحايا في صفوف المدنيين.
ووفق وزارة الصحة في غزة، استقبلت المستشفيات خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية 13 شهيداً، بينهم جريح فارق الحياة متأثراً بإصابته السابقة، إضافة إلى 57 مصاباً جراء القصف وإطلاق النار الإسرائيلي.
وبينما يواصل سكان القطاع البحث عن الطعام والماء والأمان وسط الدمار الواسع، تتكرر مشاهد استهداف القائمين على العمل الخيري والإغاثي، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي تواجه كل من يحاول مدّ يد العون للمدنيين داخل غزة.

