في الثالث من مايو، يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، بينما في غزة لا يُحتفى بالكلمة، بل يُدفن أصحابها تحت الركام.
هنا، لا تُنتهك حرية الصحافة فقط، بل يُعاد تعريفها على وقع القصف: من حقٍ مكفول إلى خطرٍ قاتل.
ليست الأرقام مجرد إحصاءات عابرة، بل شواهد دامغة على واقع يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الحقيقة والقوة.
فاستهداف الصحفيين أثناء أداء عملهم لا يمكن قراءته كأثر جانبي للحرب، بل يطرح سؤالاً قانونياً وأخلاقياً جوهرياً: هل أصبحت الحقيقة نفسها هدفاً؟
وفقاً لـ البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977، يتمتع الصحفيون بالحماية ذاتها المقررة للمدنيين، ما داموا لا يشاركون في الأعمال العدائية.
هذا النص لا يحمل طابعاً رمزياً، بل يشكل التزاماً قانونياً واضحاً.
وعندما يُستهدف الصحفي وهو يحمل كاميرته، فإن الكاميرا لا تكون سلاحاً، بل شاهداً—والشاهد هنا يُراد له أن يصمت.
القضية لا تتوقف عند حدود الاستهداف المباشر.
فحين تُقصف المؤسسات الإعلامية، وتُقطع وسائل الاتصال، ويُحاصر تدفق المعلومات، فإننا لا نكون أمام تعطيل تقني فحسب، بل أمام مساس مباشر بحق أصيل كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو الحق في نقل الحقيقة وتداولها دون قيود.
في هذا السياق، لا تبدو المسألة مجرد انتهاكات متفرقة، بل نمطاً يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، والالتزام باتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية.
وهي تساؤلات قد تجد طريقها، عاجلاً أم آجلاً، إلى ساحات العدالة الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية.
لكن بعيداً عن النصوص والمواد، يبقى المعنى الأعمق: في غزة، لا يُقتل الصحفي لأنه طرف في النزاع، بل لأنه ينقل صورته.
إن إسكات الكاميرا لا يوقف الحدث، لكنه يؤخر إدراكه.
ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الحقيقة، حتى وإن حوصرت، تجد دائماً طريقها للخروج.
إن حماية الصحفيين في مناطق النزاع ليست ترفاً قانونياً، بل ضرورة إنسانية.
فبدونهم، تتحول الحروب إلى رواية أحادية، ويُترك العالم في ظلامٍ لا يرى فيه إلا ما يُسمح له برؤيته.
في يوم حرية الصحافة، لا تحتاج غزة إلى بيانات إدانة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية لحماية من يكتبون تاريخها تحت النار.
لأن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تُدفن… بل تنتظر من ينقذها.

