بعد أكثر من عامين من الغياب والغموض، عاد الأمل إلى منزل عائلة صفوت حلس، المعروف بـ"أبو لؤي"، بعدما تلقت العائلة خبرا قلب حالة الحزن الطويلة إلى فرحة ممزوجة بالذهول والدموع؛ إذ تبيّن أن نجلهم "لؤي" لا يزال على قيد الحياة داخل معتقل "عوفر" الإسرائيلي، بعد أن كانت العائلة تعتقد طوال تلك المدة أنه استشهد خلال الحرب على قطاع غزة.
في منزل العائلة، جلس أبو لؤي محاطا بأبنائه وأقاربه وجيرانه الذين توافدوا لتهنئته، في حين كانت ملامح الصدمة لا تزال واضحة على الوجوه. فالعائلة التي عاشت أشهرا طويلة بين النزوح والفقدان والبحث المضني، كادت تفقد الأمل بالكامل في معرفة مصير ابنها، خصوصا مع حجم الدمار والمجازر والانقطاع المتكرر للأخبار والاتصالات خلال الحرب.
لحظة لا تصدق
يقول أبو لؤي لـصحيفة فلسطين" إن اللحظة الأولى التي سمع فيها خبر وجود نجله داخل أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي، بدت له غير قابلة للتصديق، بعد سلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة لمعرفة أي معلومة عنه.
ويوضح أن العائلة تواصلت مرارا مع مؤسسات حقوقية وإنسانية، إلى جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن جميع الجهود انتهت دون أي نتيجة أو تأكيد يفيد بأن لؤي لا يزال حيا.
ويستعيد الأب تفاصيل اليوم الذي اختفى فيه نجله، حين غادر مدينة رفح جنوب القطاع في الثالث من أبريل 2023 محاولا العودة إلى مدينة غزة، رغم تحذيرات عائلته من خطورة الطريق، في وقت كانت فيه قوات الاحتلال تفصل شمال القطاع عن وسطه، وتفرض وجودا عسكريا كثيفا على شارعي صلاح الدين والرشيد.
منذ تلك اللحظة، انقطع الاتصال تماما بلؤي، وبدأت رحلة البحث عنه بين الأصدقاء والأقارب والنازحين، لكن دون أي أثر.
ومع مرور الوقت، ترسخ لدى العائلة اعتقاد بأنه استشهد، خاصة بعد تلقيهم قبل نحو عام اتصالا يطلب منهم التوجه إلى مستشفى ناصر في خان يونس للتعرف إلى جثامين وصلت عبر الصليب الأحمر.
يومها ذهب أشقاء لؤي وخاله إلى المستشفى على أمل العثور على أي دليل يقودهم إليه، لكنهم عادوا دون يقين، بعدما عجزوا عن التعرف على أي جثمان.
معاناة ونزوج
خلال تلك الفترة، لم تكن معاناة العائلة مقتصرة على فقدان الابن فقط، بل امتدت إلى النزوح المتكرر وخسارة مصدر رزقها الوحيد.
فالعائلة كانت تعتمد على محل لبيع أدوات البناء في سوق فراس بمدينة غزة، حيث كان لؤي، البالغ من العمر 24 عاما، يعمل إلى جانب والده وإخوته.
وبحسب العائلة، ظل لؤي قبل اختفائه متابعا لما يجري في غزة عبر أصدقائه الذين بقوا هناك، وكان يشعر بقلق كبير على المحال التجارية وما تبقى من ممتلكات العائلة في ظل الاجتياحات والدمار وسياسات التجويع التي رافقت الحرب.
ورغم اقتناعهم شبه الكامل بأنه استشهد، بقي بصيص أمل يدفع العائلة إلى مواصلة البحث. وفي محاولة أخيرة، لجأ أشقاؤه إلى مكتب محاماة يمتلك علاقات مع مؤسسات دولية معنية بملفات المعتقلين والمفقودين. وبعد أسبوعين فقط، جاء الخبر الذي غيّر كل شيء: "لؤي" موجود داخل سجن "عوفر".
قصة لؤي ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي خلفتها حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث تعيش عائلات كثيرة بين انتظار المفقودين والبحث عن المعتقلين، فيما تتداخل مشاعر الفقد والرجاء بصورة قاسية.
ملف المفقودين في غزة
ووفقا لتقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرا، لا يزال في قطاع غزة ما بين سبعة وثمانية آلاف شخص في عداد المفقودين، مؤكدا أن آلاف العائلات في قطاع غزة ما زالت تجهل مصير ذويها.
وقال المركز، إن حجب سلطات الاحتلال المعلومات المتعلقة بالفلسطينيين المحتجزين في سجونها لا يُعد خطأ إداريا، بل سياسة متعمدة لإطالة معاناة العائلات.
وأضاف أن سلطات الاحتلال تعتمد سياسة التعتيم الكامل، بما يزيد ألم العائلات التي فقدت أثر أبنائها، مشيرا إلى أن إصدار قوائم بأسماء المحتجزين أو السماح للصليب الأحمر بالوصول إليهم أمر ممكن.
وأكد المركز أن سياسة الإخفاء تُستخدم كشكل من أشكال التعذيب النفسي والعقاب الجماعي بحق العائلات الفلسطينية.

