لم تكن حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة مجرد حدث عابر في حياة الفتى مصطفى أبو عطوان، بل لحظة فاصلة غيّرت ملامح طفولته وحياته بالكامل.
فقد مصطفى والدته التي كانت تمثل له مصدر الحنان والدعم الأكبر، كما خسر اثنين من أعمامه خلال الحرب، ليجد نفسه في مواجهة مبكرة مع الفقد والحزن، في وقت كان يفترض أن يعيش فيه تفاصيل عمره الصغيرة بين الدراسة واللعب والأحلام البسيطة.
رحلت والدته تاركة فراغا كبيرا في حياته، لكنها تركت أيضا أثراً لا يغيب. كانت أكثر من شجع موهبته الكروية، ولم تكن تنظر إلى كرة القدم باعتبارها مجرد هواية عابرة، بل حلم يستحق أن يُمنح فرصة للحياة.
كانت تتابعه وتدعمه وتخشى عليه من أي مكروه، وكان مصطفى يتمنى أن تبقى إلى جانبه لترى لحظة نجاحه وتألقه داخل الملاعب.
إنجاز رغم الألم
ورغم كل ما عاشه من ألم، تمكن مصطفى قبل أيام من معانقة أول إنجاز كبير في مسيرته الرياضية، بعدما توج مع فريقه نادي الرباط بلقب بطولة الأمل للناشئين مواليد 2009، التي نظمها اتحاد كرة القدم في قطاع غزة، في بطولة حملت أبعادا تتجاوز المنافسة الرياضية، لتتحول إلى رسالة تحد وصمود في وجه الحرب والدمار.
مصطفى لم يفقد والدته فقط، بل فقد أيضا عميه مصطفى وأشرف خلال الحرب، وهي فواجع تركت آثارا نفسية قاسية عليه وعلى عائلته.
ومع ذلك، لم يتوقف عن التدريبات، كما لم ينقطع زملاؤه عن الحضور إلى الملعب رغم القصف المتواصل للاحتلال والخوف اليومي واستهداف المنازل والمناطق السكنية.
في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وعلى ملعب صغير قرب دوار أبو صرار، كان اللاعبون يتجمعون بقيادة مدربهم عيسى أبو أسنيدة، هناك، وسط بيئة تفتقر لأبسط الإمكانات الرياضية، تشكلت ملامح فريق يحاول الحفاظ على وجوده واستمراريته رغم واقع الحرب.
طوال أكثر من عامين ونصف، واصل اللاعبون تدريباتهم في ظروف استثنائية، بين أصوات الطائرات والانفجارات وأخبار الضحايا اليومية، لكنهم تمسكوا بفكرة أن كرة القدم يمكن أن تكون مساحة للحياة وسط كل هذا الخراب.
وعندما أعلن اتحاد الكرة تنظيم البطولة مؤخرا، دخل فريق الرباط المنافسات بثقة كبيرة، وتمكن من حصد اللقب بعد سلسلة من العروض القوية التي لفتت الأنظار.
حياة وأمل
يقول مصطفى لصحيفة "فلسطين"، إن كرة القدم بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل "حياة وأمل".
يلعب في مركز المدافع الأيسر، ويحلم بالاحتراف في الأندية العربية وتمثيل المنتخب الفلسطيني مستقبلا، ويؤكد أن كل مباراة يخوضها تحمل في داخله دافعاً إضافيا للاستمرار، وكأنها محاولة لإثبات أن الحرب لم تتمكن من قتل أحلامه.
لكن كرة القدم بالنسبة لمصطفى وزملائه تتجاوز حدود المنافسة الرياضية. فهي بالنسبة لهم وسيلة لمقاومة القهر والتغلب على آثار الفقد والحرب. ويجمع اللاعبين شعور مشترك بأنهم أبناء تجربة واحدة، حيث فقد كثير منهم أقارب أو منازل أو أصدقاء خلال الحرب.

ويعد لاعب الوسط محمد الشطلي من أقرب زملاء مصطفى إليه، فيما يحمل حارس المرمى محمد النجار قصة مشابهة، بعدما فقد أفرادا من عائلته خلال الحرب، لكنه تمكن رغم ذلك من التألق والفوز بجائزة أفضل حارس في البطولة.
ليست مجرد كرة قدم
ونجح نادي الرباط في تقديم بطولة استثنائية، بعدما توج أولا ببطولة الوسطى والجنوب عقب فوزه على اتحاد خان يونس برباعية نظيفة، قبل أن يكرر النتيجة ذاتها في النهائي أمام غزة الرياضي بطل غزة والشمال، في مشهد عكس حجم العمل الذي قام به الجهاز الفني وإدارة النادي لإعداد جيل قادر على المنافسة رغم الظروف القاسية.
وبالنسبة لمسؤولي النادي، فإن ما حققه ناشئو الرباط يحمل دلالات تتجاوز النتائج الرياضية، في ظل التدمير الواسع الذي طال القطاع الرياضي في غزة خلال حرب الإبادة، حيث تعرضت الملاعب والصالات والأندية لاستهداف مباشر أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية الرياضية.
وتعاني الرياضة في غزة من نقص حاد في الإمكانات والمساحات المخصصة للتدريب، إضافة إلى صعوبة توفير بيئة آمنة لممارسة الأنشطة الرياضية، في وقت تتزايد فيه حاجة الشباب إلى متنفس نفسي واجتماعي يخفف من آثار الحرب المستمرة.
ورغم هذا الواقع، يصر اللاعبون الصغار على مواصلة اللعب والتدريب. فهم يدركون أن الاستسلام للحزن والمعاناة لن يغير واقعهم، وأن الرياضة بالنسبة لهم باتت وسيلة للبقاء وصناعة الأمل، ومحاولة لانتزاع لحظة فرح من بين الدمار والركام.

