فلسطين أون لاين

عيد بلا أبوين.. أنس وآمال في حضن الفقد

...
انس وأمال
غزة/ نبيل سنونو:

"أبوك في الجنة.."، كان نبأ قاصما لطفل في عمر الرابعة، ألقى حزنه على فقد والدته وأخيه شهيدين، في حضن والده، وفجأة أراد أقرباؤه أن يقنعوه بأنه فقد ملاذه الأخير أيضا في قصف إسرائيلي آخر، ولم يعد هناك من يناديه "بابا..".

يرتسم هذا المشهد في عيني الطفل أنس شحادة، وينكأ جراحه الفقد في عيد الأضحى، تلك المناسبة التي كانت تغمره بالفرح، واليوم يعيش معها على بقايا الذكريات.

IMG-20260528-WA0035.jpg
 

على أنقاض مسجد الإمام الشافعي في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، يقيم أنس في خيمة نزوح قسري مع عمه وزوجته وطفلاتهما الثلاثة، يفترش الأرض ويطارد أي لعبة تخفي ملامح حزنه، قائلا لصحيفة "فلسطين" بكلمات مكسورة: "ماما استشهدت.. بعدين بابا استشهد".

ذلك الحي بدأت فيه حكاية الوجع، ولم تنته بعد. في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2023، كان أنس وأخوه محمد (خمسة أعوام) وأخته آمال (ثلاثة أشهر) وأبوهم إحسان (28 عاما) وأمهم إسلام (26 عاما) في منزلهم بحي الزيتون الذي تعرض لغارة جوية إسرائيلية مباغتة.

IMG-20260528-WA0032.jpg
 

ريهام شحادة زوجة أخ إحسان، كانت شاهدة على المجزرة. تنظر بعينين حانيتين إلى أنس وآمال، الناجيين جسدا لا روحا، قائلة لصحيفة "فلسطين": "كنا قاعدين في الدار زي أي ناس... ضربوا الدار قبالنا. استشهد أسلافي الخمسة وزوجاتهم وأبناؤهم".
تتحشرج نبرتها مع هول الصدمة التي لا تزال تخيم عليها، مضيفة أن والدة أنس وأخاه محمد كانا من بين الشهداء، أما أنس وأبوه فأصيبا من جراء القصف، ونجت الطفلة آمال من المجزرة.

أصيب أنس حينها في ظهره ورأسه، وخضع لعملية تركيب بلاتين داخلي وخارجي في قدميه، وعملية أخرى لـ"الجيوب الأنفية"، ولا تزال آثار الشظايا ماثلة على جسده النحيل.

لستة أشهر بعد وقوع المجزرة، كان أنس يعيش مع أبيه في خيمة النزوح، ويجد فيه حضنا دافئا، يفرغ فيه حزنه وهمه وما لا تنطقه كلماته، لكن ذلك لم يدم طويلا.

IMG-20260528-WA0036.jpg
 

في 19 يونيو/حزيران 2024 وقعت الفاجعة الثانية التي لم ترحم طفولته النازفة. تتنهد ريهام، مستعيدة التفاصيل: "كان أبوه مرابطا يحب وطنه، وأيضا كان يسعى لتوفير لقمة العيش لطفليه".

على وقع مجاعة صنعها الاحتلال وفتكت بالإنسان في غزة صغيرا كان أم كبيرا، كان الأب يطارد ولو حبة عدس كغذاء لطفليه المنهكين بالفقد والتشريد القسري والتجويع، لكنه استهدف بصاروخ مباشر أطلقته طائرة حربية من طراز إف 16، حسبما تروي ريهام.

الأب الذي كان يئن من إصابته السابقة ووجعه على طفليه ووطنه استشهد، كأنما وضعت الشهادة حدا لمعاناته، لكنها فتحت فصلا جديدا من الألم لأنس وآمال.

 

لم يعبر أنس عما يجتاحه من أسى حينها بالكلمات. تقول زوجة عمه: "لا كان يعيط ولا يصرخ ولا يعمل اشي. تسأله: وين أبوك؟ ما يرد، ولما يجوع ما يحكي".

كان ذلك ترجمة لشعور الصدمة الذي سيطر على أنس بفقد أبيه بعد أمه وأخيه محمد، أما آمال فلم تكن تدرك ما يحدث لصغر سنها آنذاك، وقد كبرت في واقع لا أب ولا أم فيه.

بعد نحو سنتين على فقد أبيه، يجد أنس نفسه في صراع بين ألم الفقد وفرحة عيد الأضحى، كل منهما يقاوم الآخر... عيد لا يحمل من معانيه سوى الاسم.

IMG-20260528-WA0039.jpg
 

لا يمل أنس من سؤال ريهام، زوجة عمه عما إذا كانت تذكر تفاصيله العالقة في غياهب الفقد: "متذكرة بابا وماما لما جابولي كذا وكذا...؟". تقول ريهام: "أحاول أن أعوضه وأفعل ما كان يفعله أبواه".

أما آمال التي تجاوزت اليوم العامين من عمرها، فهي أكثر تأقلما مع واقعها، فهي لم تعش مع أبويها، ولا تلاحقها الذكريات معهما. تتواجد آمال التي ترعاها عمتها في معظم الوقت في مكان نزوح أخيها أنس الذي يرعاه عمه، ليضفي عليهما شعور الأخوة شيئا من الأنس الأسري.

لكن شيئا لا ينسيه المجزرة والفقد المتتالي. "أنس حالته صعبة، مهما حاولت تعويضه مكانة الأم والأب. يتذكر الحدث لحظة بلحظة، وكيف استشهد أهله، كان مدركا للتفاصيل"، تقول ريهام.

وما أثر به بشدة هو استشهاد والده. تضيف أن أنس أصيب بحالة من التوحد وسوء الحالة النفسية، ما أثر عليه جسديا، وهو يتلقى علاجا اليوم للغدة الدرقية.

وصية أبيه

قبل وقفة عرفة بيوم، كانت ريهام تجول وتصول في السوق باحثة عن ملابس مناسبة لأنس. تقول: "أنس مثله مثل بناتي بننفق عليه... ما في اله أي كفالة من أي جهة".

زوجها محمد شحادة، عم أنس، يعمل بائعا للبسكويت في "ميدان فلسطين- الساحة" بغزة، يحاول كسب لقمة عيش أسرته، وسط حالة اقتصادية منهارة. يقول لصحيفة "فلسطين": أعد أنس ابنا لي، وأعامله على هذا الأساس. أبوه أوصاني به يوم استشهاده، كان قلبه يحدثه بأنه لن يعود.

يخاطب أنس عمه: "ياريت بابا عايش كان جابلي كذا وكذا..."، لا تفارقه الذكريات، أما عمه فيكافح لتعويضه عن دور أبيه.

هذا هو العيد الخامس الذي يحل على أنس وآمال دون أبويهما. تمسك ريهام دموعها، قائلة: "الله يعينهم هم وكل الأيتام..."، وهي تضع بذلك يدها على جرح آلاف الأطفال الذين فقدوا الأب أو الأم أو كلاهما في خضم حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تحتضن الطفلة عمها منادية إياه "بابا..."، بينما ينادي أنس زوجة عمه "ماما...". يبحثان عن "دواء" لشعور الغياب العميق في وجدانهما.

المصدر / فلسطين أون لاين