فلسطين أون لاين

خبراء يطالبون السلطة بخطة إصلاح شامل لوقف الهدر المالي وإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني

...
صورة تعبيرية
غزة/ رامي رمانة:

في وجود أزمة اقتصادية متفاقمة، تزداد التحذيرات من استمرار السياسات المالية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على تحميل المواطن أعباء العجز المالي والأزمات الاقتصادية المتراكمة.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الإبقاء على البنية الإدارية الحالية، بما تتضمنه من تضخم في عدد الوزارات والسفارات وارتفاع فاتورة الرواتب، يفاقم الأزمة المالية ويستنزف الموارد المحدودة.

وفي المقابل، تتبلور رؤى إصلاحية تدعو إلى تبني خطة تقشفية شاملة تعيد ترتيب الأولويات الوطنية، وتعزز كفاءة الإنفاق، وتمهد لإصلاحات هيكلية حقيقية تعيد التوازن للاقتصاد الفلسطيني، بعيداً عن الحلول المؤقتة التي تثقل كاهل المواطنين.

خطة طوارئ وتقليص المؤسسات

ودعا الخبير الاقتصادي عمر شعبان السلطة الفلسطينية إلى تبني خطة طوارئ تقشفية شاملة، تتضمن إعادة هيكلة المؤسسات الرسمية ووقف الاعتماد على جيوب المواطنين المثقلة بالأعباء.

وقال شعبان، لصحيفة "فلسطين": إن استمرار العمل بالهيكلية الحالية، التي تضم أكثر من 30 وزارة وما يزيد على 100 سفارة، في وقت يتقاضى فيه نحو 170 ألف موظف عمومي 20% فقط من رواتبهم، أمر "غير منطقي" ويستوجب تدخلاً فورياً لتحديد الأولويات.

وطالب بضرورة تخفيض عدد السفارات الفلسطينية إلى ما بين 10 و20 سفارة فقط، مع التركيز على الدول ذات الثقل السياسي والمنظمات الدولية الكبرى.

وشملت مقترحاته إغلاق السفارات في الدول البعيدة أو التي لا تضم جاليات فلسطينية كبيرة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى.

كما دعا إلى اعتماد نظام "السفير غير المقيم"، بحيث يدير سفير واحد شؤون عدة دول متقاربة، وهو نهج تتبعه دول عديدة لتقليل النفقات، إضافة إلى الاستعانة بدول عربية شقيقة لرعاية المصالح الفلسطينية في الدول التي سيتم إغلاق السفارات فيها.

ترهل إداري وهدر مالي

وعلى الصعيد الداخلي، أكد شعبان ضرورة مراجعة هيكلية السلطة الفلسطينية التي تعاني، بحسب وصفه، من "ترهل إداري" لا يتناسب مع واقعها كسلطة تعمل تحت الاحتلال.

واقترح تقليص عدد الوزارات إلى 10 وزارات سيادية وخدماتية فقط، وإلغاء عشرات المؤسسات شبه الحكومية التي تستنزف الموازنة دون تقديم خدمات ملموسة.

كما طالب بوقف المصروفات النثرية والترفيهية، وتقنين سفرات المسؤولين الحاليين والسابقين، إلى جانب الحد من النفقات غير الضرورية.

ودعا شعبان إلى ضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة وحماية المال العام عبر منع الازدواج الوظيفي، بما يتيح فرص عمل للخريجين والشباب العاطلين عن العمل، إضافة إلى تطبيق التقاعد الإجباري لمن تجاوزوا الستين عاماً، وتوفير برامج "تقاعد مبكر اختياري" تمنح الموظفين مخصصات تساعدهم على إطلاق مشاريع خاصة.

وأكد ضرورة حصر ممتلكات منظمة التحرير الفلسطينية ووضعها تحت إشراف "صندوق سيادي" يُدار بشفافية عالية من خلال مجلس إدارة متخصص، إلى جانب فتح ملفات الفساد بجدية والعمل على استرداد الأموال المنهوبة بالتعاون مع "الإنتربول" والدول العربية.

تحذيرات من تحميل المواطن 

من جهته، حذر المختص الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة من استمرار السياسات المالية التي تعتمد على جيب المواطن كحل أساسي لتمويل العجز ومعالجة الاختلالات الهيكلية في الموازنة العامة.

وقال دراغمة لـ"فلسطين"، إن المواطن الفلسطيني يواجه حالياً "مثلثاً خطيراً" يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، والارتفاع غير المسبوق في تكاليف المعيشة، ما يجعل أي أعباء إضافية تفوق قدرة المواطنين على التحمل.

وأكد أن الاستمرار في تحميل المواطن كلفة الأزمات الاقتصادية دون اللجوء إلى حلول هيكلية حقيقية سيؤدي إلى نتائج عكسية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

وشدد على أن الحل لا يكمن في زيادة الجبايات والضرائب، بل في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، ومحاربة التهرب الضريبي بجدية، وهي خطوات من شأنها تحقيق استقرار مالي بعيداً عن الضغط على الفئات الفقيرة.

ودعا دراغمة إلى مراجعة شاملة للسياسات المالية بما يضمن تحقيق توازن بين احتياجات الحكومة المالية وقدرات المواطنين المعيشية، مؤكداً أن بناء نهج اقتصادي عادل ومستدام يتطلب مراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، والبحث عن موارد بديلة لا تمس الفئات الهشة.

وتشير البيانات المالية إلى أن إجمالي الالتزامات المالية المترتبة على السلطة الفلسطينية تجاوز 11 مليار دولار.

واستقرت الديون لصالح المصارف المحلية والخارجية عند نحو 4.6 مليار دولار، فيما تراكمت متأخرات الموظفين العموميين، الذين يتقاضون رواتب منقوصة، لتتجاوز 1.2 مليار دولار.

كما بلغت ديون موردي القطاع الخاص نحو 1.5 مليار دولار، ما تسبب في حالة شلل في قطاعات حيوية، أبرزها الأدوية والمقاولات.

وتبرز أزمة ديون هيئة التقاعد باعتبارها إحدى أخطر المعضلات المالية، إذ تجاوزت 3.5 مليار دولار، وهي مبالغ تمثل حقوقاً مستقبلية للموظفين لم يتم توريدها للصندوق.

وفي الوقت ذاته، تعيش الموازنة الفلسطينية تحت وطأة الاقتطاعات الإسرائيلية، إذ تحتجز سلطات الاحتلال ما بين 100 و150 مليون دولار شهرياً من أموال المقاصة.

وأدى هذا النزيف المالي إلى فقدان الخزينة نحو 60% من إيراداتها المحلية، بالتزامن مع تراجع المساعدات الدولية للموازنة بنسبة تتجاوز 80%، بعدما انخفضت من 1.2 مليار دولار سنوياً خلال العقد الماضي إلى أقل من 250 مليون دولار حالياً.