لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يومًا مجرد احتلال للأرض، بل كان مشروعًا قائمًا على اغتصاب الإنسان الفلسطيني وكسر روحه قبل السيطرة على أرضه.
وما تكشفه اليوم شهادات الأسرى الفلسطينيين من جرائم تعذيب وانتهاكات جنسية داخل السجون الإسرائيلية، يعيد إلى الواجهة الوجه الحقيقي لهذا المشروع الذي قام منذ النكبة قبل 78 عامًا على القتل والإرهاب والتهجير المنظم.
الشهادات التي خرجت من داخل المعتقلات ليست روايات عابرة أو ادعاءات سياسية، بل شهادات مروعة نقلها أسرى محررون وأطباء وصحفيون ومعتقلون سابقون عاشوا تفاصيل التعذيب والإذلال بأجسادهم. كثير مما جرى لا يزال مخفيًا، وما وثقته المؤسسات الحقوقية والإعلامية لا يمثل سوى جزء يسير من حجم الانتهاكات التي مورست بحق آلاف الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال.
اللافت أن الاستهداف لم يكن عشوائيًا، بل ركّز بصورة واضحة على الأطباء والأكاديميين والصحفيين والمهندسين وأصحاب التأثير المجتمعي، وخاصة النساء في محاولة إسرائيلية واضحة لتحطيم البنية المعنوية والنفسية للمجتمع الفلسطيني.
نحن أمام سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الإنسان الفلسطيني وتجريده من كرامته، ضمن عقلية استعمارية قديمة تعتبر الفلسطيني مجرد “هدف” مباح.
ما نُشر مؤخرًا في The New York Times، وما وثقه المرصد الاورومتوسط من شهادات مباشرة لأسرى محررين، يكشف حجم الرعب الذي يُمارس خلف جدران السجون. وما نقله محامون ، ومشاهد اغتصاب اسير فلسطيني أمام الكاميرات، وتم تكريم المغنصبين من قبل حكومة الاحتلال وشرطته، واطفاء الشرعية الدينية من حاخامات، وصلت لتكريم الكلاب التي تقوم بحالات الاغتصاب للاسرى.
وجزء يسير مما نشر عبر لإعلام العبري نفسه نشر تسجيلات ومشاهد تؤكد بعض هذه الجرائم، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية والإذلال الممنهج للأسرى أمام الكاميرات.
هذه الجرائم ليست جديدة على الاحتلال. ففي ذكرى النكبة، يستعيد الفلسطينيون كيف استخدمت العصابات الصهيونية القتل والاعتداءات الوحشية لبث الرعب ودفع الناس إلى الهجرة القسرية عام 1948.
العقلية ذاتها لا تزال تحكم المؤسسة الإسرائيلية اليوم، لكن الفارق أن هناك كاميرات وشهادات وتقارير دولية بدأت تكشف الحقيقة أمام العالم.
الأخطر من الجريمة نفسها هو محاولة شرعنتها سياسيًا وإعلاميًا داخل إسرائيل. فبدل التحقيق والمحاسبة، انطلقت حملات تحريض ضد المؤسسات الحقوقية والصحفيين الذين كشفوا هذه الانتهاكات*، وعلى رأسهم الصحفي الأمريكي Nicholas Kristof، وضد الحقوقي الفلسطيني د رامي عبدو. كما تعرضت المؤسسات الدولية لهجوم واسع فقط لأنها نقلت شهادات الأسرى وفضحت ما يجري.
وفي المقابل، تتهاوى الرواية الإسرائيلية المتعلقة بادعاءات “الاغتصاب الجماعي” في السابع من أكتوبر، بعدما فشلت إسرائيل في تقديم أدلة حقيقية تثبت روايتها، بينما ظهرت شهادات متعددة تؤكد أن الأسرى الإسرائيليين داخل غزة تلقوا معاملة إنسانية مقارنة بما يتعرض له الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية.
ما يجري اليوم يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة من الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية حول حالات الاغاصاب الجماعي للاسرى، للتحقيق في جرائم التعذيب والانتهاكات الجنسية بحق الأسرى الفلسطينيين.
فالصمت الدولي لم يعد مجرد تقصير، بل تحول إلى غطاء يمنح الاحتلال مزيدًا من الجرأة لمواصلة جرائمه بحق الإنسان الفلسطيني.

