في مأوى متهالك للنازحين وسط مدينة غزة، تفترش المسنة سعاد قاسم الأرض، وقد تجاوز عمرها سنوات النكبة نفسها، مثقلة بتشردها القسري ومرضها وهرمها، في حين يراودها الأمل واليقين بعودتها إلى مسقط رأس أجدادها في الأراضي المحتلة سنة 1948.
كانت سعاد (83 عاما) تقيم في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، التي عاشت فيها مراحل عمرها المختلفة، قبل أن تشردهم منها قوات الاحتلال قسرا في بداية حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو ما تشبهه بتهجير العصابات الصهيونية لأجدادها من قراهم في أراضي الـ48 قبل 78 سنة.
بنبرة تمتزج فيها ملامح المعاناة من سوء ظروفها الصحية بما خلفته الحرب من انعدام لمقومات العيش، تقول سعاد لصحيفة "فلسطين"، إنها لاجئة من قرية محاذية لشمال شرق قطاع غزة، كما أنها نزحت قسرا من بيت حانون نحو 10 مرات على مدار نحو سنتين ونصف من الإبادة.
"كبرت في بيت حانون وعشت فيها لغاية ما اجى الاحتلال وشردنا وقتل الناس وهينا بنعاني.. الاحتلال ورانا ورانا"، كأنما تعيد سعاد بكلماتها تلك رسم مشهد عاشه أجدادها، وتكرر أمام ناظرها.
وفي خضم الحرب، دمر الاحتلال منزلها وباتت كحال مئات الآلاف من الغزيين بلا مأوى. بلهجة فلسطينية تجمع بين الماضي والحاضر، تضيف سعاد: "شردونا، واللي استشهد واللي عاش، واللي راحت داره، وأنا صرت ساكنة في الخلاء، في أراضي الناس، مليش ولا شبر أرض".
وتشير إلى أنها نزحت من منزلها دون أن تتمكن من اصطحاب أي من أمتعتها تحت النار، ما فاقم معاناتها. تقول: "طبوا (قوات الاحتلال) خبط فينا، طلعنا بطولنا زي ما احنا".
في لحظة صمت، بدت سعاد كأنها في صراع مع الحنين إلى منزلها، وحياتها، وذكرياتها، قبل أن تتابع: "عشنا وكبرنا وتجوزنا في نفس البيت... بنيناه وصار خرابة".
وتشتكي المسنة، من أن الاحتلال دمر حياتها، قائلة إنها وزوجها وضعا كل مالهما في ذلك المنزل وكافحا لتوفير مسكن لأبنائهما، ثم شن الاحتلال الحرب وأهدر كل تعبهما على مدار حياتهما.
وتضيف: "مضلش عيشة زي الناس"، مبينة أنها نزحت قسرا من شمال القطاع إلى جنوبه والعكس في محطات مريرة، لدرجة باتت عندها عاجزة عن التنقل، وطلبت في آخر مرة من ذويها أن يبقوها حيث هي ولو تحت النار وأن ينجوا هم بأنفسهم.
في صرخة إنسانية، تقول: "نشفوا ريقنا اليهود... واحنا ننزح كل فترة من نتفة (مكان) لنتفة تانية"، مضيفة: "تعبانين، انحرمنا من دورنا".
وتشير سعاد إلى انعدام الاستقرار بسبب الحرب، التي لم تتوقف تداعياتها الكارثية على الحياة الإنسانية للغزيين رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي تعبير عن ارتفاع نسب البطالة والفقر في غزة، تقول سعاد إن أبناءها يكدون لانتزاع لقمة العيش، ويكافحون للحصول على أجر مبلغ 10-20 شيقلا يوميا، لا يكفي لأي شيء.
تحرير قاسم ابنة المسنة سعاد تشير إلى أن والدتها تتمنى العودة إلى بيت حانون وإلى أراضي الـ48، لتسقي شجرة التين التي زرعها أجدادها يوما هناك، كأنما تراها بعينيها بعد كل تلك المدة.
وتقول تحرير لـ"فلسطين" إن أمها تعاني من أمراض القلب والصدر، وقد تفاقمت حالتها مع استنشاقها مواد توصف بأنها سامة ناجمة عن أسلحة استخدمها الاحتلال ضد المدنيين.
لكن سعاد لا تزال تقوى على إدراك أهداف الاحتلال: "بدو ايانا نرحل ويستوطن وتصير الأراضي كلها اله. ولا حد فينا بيعطيه أرضه، وين نروح؟"، منبهة إلى محاولات متكررة لتهجير الشعب الفلسطيني.
ويبلغ عدد الفلسطينيين حول العالم نحو 15.5 مليون نسمة، بينهم 7.4 ملايين يعيشون في فلسطين، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ78 للنكبة، وفق بيان أصدره مؤخرا الجهاز المركزي للإحصاء.
ويقيم نحو 8.1 ملايين فلسطيني في الشتات، بينهم 6.8 ملايين في الدول العربية، فيما يعيش قرابة 5.6 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى نهاية عام 2025، بواقع 3.43 ملايين في الضفة و2.13 مليون في القطاع.
ومن قلب مأوى النزوح، توصي المسنة سعاد الشباب الفلسطيني بأن يكافحوا ليستعيدوا وطنهم وأملاكهم من الاحتلال، قائلة: "بدنا أرضنا كلها.. بيت حانون وأراضي الـ48 وكل فلسطين، ويادوب تكفي الشعب الفلسطيني"

