بينما كانت آلات ورشته الضخمة يومًا ما تُشكّل النوافذ والأبواب الألمنيوم الملوّنة لتزيين بيوت غزة، وجد أنور العماوي (56 عامًا)، صاحب شركة العماوي للألمنيوم، نفسه فجأة أمام واقعٍ مرير؛ ركام، وحصار خانق يمنع دخول أبسط المواد الخام اللازمة للصناعة، إلى جانب أزمة الكهرباء وتبدّل أولويات المواطنين.
أمام ورشته في مدينة غزة، يعرض العماوي وحدات خدمية مصنوعة من الألمنيوم المتوفر، صُمّمت خصيصًا لتناسب مراكز الإيواء المزدحمة.
وتشمل هذه المنتجات مغاسل مصنّعة من مقاطع الألمنيوم، مزوّدة بأحواض معدنية وصنابير بسيطة، إلى جانب خزانات وطاولات تحضير تتميّز بخفة وزنها وسهولة نقلها، وهي ميزة أساسية لعائلات تعيش حالة نزوح دائم، حيث يمكن فكّها وحملها خلال دقائق.
بدأ العماوي رحلته مع هذه الصنعة قبل عام 1999، وعلى مدار أكثر من 25 عامًا، بنى اسمًا وشهرة في قطاع غزة من خلال ورشته التي كانت تمتد على مساحة 650 مترًا مربعًا، وتنتج أرقى أنواع الشبابيك، وأبواب “الأكورديون”، والواجهات الزجاجية.
لكن الحرب قلبت موازين العمل رأسًا على عقب؛ فبعد أن كانت الورشة تعجّ بالحياة بوجود 16 موظفًا وفنيًا، اضطر إلى تقليص العدد إلى 5 عمال فقط.
ويقول: “تحوّل الإنتاج كليًا لتلبية احتياجات النازحين في الخيام ومراكز الإيواء، من خلال تصنيع المغاسل، والحمّامات المتنقلة، والخزانات”.
ويقدّر العماوي لصحيفة ”فلسطين” خسائره المادية بنحو 250 ألف دولار، ورغم أن طاقة الورشة الإنتاجية انخفضت إلى ما دون 35%، فإنه أصرّ على رفع الركام والعودة إلى العمل “بالتدريج”، لتوفير لقمة العيش لعماله وسد احتياجات المواطنين.
ويواجه اليوم معضلة السوق السوداء وفقدان المواد، حيث ترتفع أسعار الخام بشكل جنوني بمجرد توفرها، ثم تنقطع فجأة، ما يجعل الاستمرارية في الإنتاج معركة يومية.
من جهته، تحدث عمر العجلة، رئيس اتحاد الألمنيوم سابقًا، عن حجم الكارثة التي لحقت بقطاع صناعة الألمنيوم في غزة جراء الحرب المستمرة، مؤكدًا أن هذا القطاع الحيوي تعرّض لدمار شبه كامل طال مئات المنشآت والورش.
وأوضح العجلة لـ”فلسطين” أنه قبل اندلاع الحرب، كان قطاع غزة يحتضن ما بين 400 إلى 550 منشأة، ما بين ورش صغيرة وشركات كبرى متخصصة في الألمنيوم. أما اليوم، فقد انخفض عدد الورش العاملة بنسبة 70%، إذ لا تتجاوز نسبة الورش التي تحاول ممارسة نشاطها حاليًا 25% إلى 30% فقط، في ظل ظروف قاهرة ومعيقات لوجستية ومادية غير مسبوقة.
وأشار إلى أن أبرز هذه المعيقات تتمثل في نفاد المواد الأساسية، حيث بدأت مخازن “البروفيلات” والإكسسوارات والزجاج بالنفاد التام، فيما شهدت أسعار المواد المتبقية ارتفاعًا جنونيًا تراوح بين 200% إلى 400%.
وأضاف أن الكهرباء تحوّلت إلى عبء مالي ضخم، إذ يصل سعر الكيلوواط من المولدات التجارية إلى 30 شيكلًا، ما يجعل تكلفة الإنتاج باهظة للغاية.
ولم تكن منشأة العجلة بمنأى عن التدمير، إذ كانت ورشته الواقعة شرق الشجاعية تمتد على مساحة 120 مترًا مربعًا، وتُعد ورشة متكاملة تشغّل 6 موظفين من فنيين ومحاسبين وعمال. وقد أدت الحرب إلى تدميرها بالكامل وفقدان كافة الماكينات والمعدات، مقدّرًا حجم خسائره المباشرة بما لا يقل عن 90 ألف دولار.
وفيما يتعلق بجهود الإنعاش، أشار العجلة إلى وجود تحركات تقودها جهات مثل الاتحاد العام للصناعات، عبر مشاريع تهدف إلى التعافي وتعزيز الصمود، من خلال إعادة تشغيل العمال في الورش التي لا تزال تمتلك مقومات العمل.
وتشمل هذه الجهود توفير محركات ومولدات كهربائية لبعض المنشآت، إلى جانب العمل على إنشاء حاضنات تدعم الصناعات المتضررة، وتوفر مشاريع تشغيل مؤقتة للعمال الذين فقدوا وظائفهم.
ونوّه إلى أن الطلب الحالي في السوق يقتصر إلى حد كبير على المؤسسات الدولية التي تطلب تركيب السواتر والأبواب، أو بعض الفئات المحدودة من التجار، في حين يظل المواطن العادي عاجزًا عن تحمّل هذه التكاليف المرتفعة

