فلسطين أون لاين

فوق الركام.. أمّ تجرّ أبناءها نحو الحياة

رانيا طوطح: رحلة صمود يومية بين الفقد والإعاقة والفقر

...
السيدة طوطح مع أفراد أسرتها
غزة/ محمد حجازي:

بين صمت الركام وضجيج الألم، تقف رانيا طوطح (38 عامًا) في حي الزيتون، شاهدةً على مأساة تتجاوز قدرة الكلمات على الوصف. لم تعد الخيمة المهترئة المقامة فوق أنقاض منزلها مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى ساحة مواجهة يومية تخوضها أمٌ فقدت زوجها، وتصارع لتأمين حياة قاسية لأربعة أبناء أنهكتهم الإعاقات وجراح الحرب.

بدأت فصول الحكاية حين استُشهد زوجها، سائد سعد الله طوطح، في قصف إسرائيلي، بينما كان يسعى لتأمين قوت يوم عائلته. لم يكن مقاتلًا، بل أبًا يلاحق لقمة العيش في حصار خانق وتجويع متواصل.

تقول رانيا لصحيفة "فلسطين" بصوت مثقل بالقهر: "كان لدينا بيت يأوينا، وحياة بسيطة لكنها مستقرة. في لحظة، تبخر كل شيء. قُتل زوجي وهو يبحث عن كسرة خبز، وتركني أواجه مصيرًا قاسيًا وحدي".

خيمة على أنقاض الحياة

تعيش رانيا اليوم في خيمة متهالكة فوق ركام منزلها، حيث تتضاعف المعاناة. فالأمر لا يقتصر على الفقر، بل يمتد إلى واقع صحي وإنساني معقد. ثلاثة من أبنائها—ديما (13 عامًا)، عبد الله (10 سنوات)، وزين (9 سنوات)—يعانون من شلل نصفي، فيما أُصيب الابن الأكبر أنس (15 عامًا) برصاصة في الرقبة من طائرة "كواد كابتر"، ما حدّ من حركته وتركه أسير ألم دائم.

تقول: "أعيش دوامة لا تنتهي من التعب. لا مصدر دخل لدينا، وننتظر ما تقدمه التكايا لنُسكت جوع الأطفال. أقف ساعات طويلة للحصول على وجبة طعام أو مياه، وأعود بها إلى خيمة لا تقي حرًا ولا بردًا".

رغم قسوة الواقع، ترفض رانيا الاستسلام. في مشهد يومي يجسد معنى الإرادة، تجرّ عربة أبنائها ذوي الإعاقة عبر طرق مدمرة ومليئة بالركام، لتوصيلهم إلى المدرسة.

تقول: "الطريق شاقة جدًا، لكنني أصرّ على تعليمهم. أريد لهم مستقبلًا أفضل يعوضهم عن كل ما فقدوه. هم أملي الوحيد في هذه الحياة".

غير أن الأعباء المعيشية أجبرتها على اتخاذ قرار قاسٍ، تمثل في إخراج ابنتها ديما من المدرسة. توضح بحسرة: "تكاليف المواصلات تضاعفت، ولم أعد قادرة على تحملها. لم أجد خيارًا سوى إبقائها في الخيمة".

احتياجات تفوق القدرة

تفتقر العائلة لأبسط مقومات الحياة؛ فلا أثاث في الخيمة، ولا رعاية طبية كافية للأطفال، ولا وسائل مساعدة لذوي الإعاقة. وتتفاقم المعاناة مع عجز الأم عن توفير المستلزمات الطبية الأساسية لأبنائها، في بيئة تفتقر إلى أدنى الخدمات.

ورغم ذلك، تواصل رانيا صمودها، متحدية واقعًا قاسيًا يتطلب ما هو أكثر من الصبر.

تختتم رانيا حديثها بمناشدة إنسانية، تطالب فيها المؤسسات الإغاثية وأصحاب القلوب الرحيمة بتوفير كفالة دائمة لأطفالها، وتأمين تكاليف تعليمهم، وتقديم الدعم اللازم لرعايتهم في ظل إعاقتهم.

رحل سائد، وبقيت رانيا وحدها فوق الركام، تحمل عبء أربعة أبناء أثقلتهم الحرب، وتمضي في معركة البقاء بإرادة أم لا تنكسر، بانتظار يدٍ تمتد لتعينها على مواصلة طريق الصمود في حي الزيتون المنكوب.

المصدر / فلسطين أون لاين