فلسطين أون لاين

خرائط الدم والإسمنت... الضفة من حلم التحرير إلى شبح روديسيا!

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد توسع استيطاني تقليدي ضمن سياسات الاحتلال منذ احتلالها عام 67، بل نحن أمام مرحلة جديدة تتجاوز فكرة الاستيطان بوصفه أداة ضغط أو ورقة تفاوض، نحو مشروع هندسة جغرافية وديموغرافية، إذ تتحول الضفة اليوم إلى مختبر مفتوح لفرض السيادة الكاملة بالقوة، بينما يجري التعامل مع الوجود الفلسطيني باعتباره فائضًا سكانيًا مؤقتًا ينبغي تطويقه أو تفكيكه أو دفعه للرحيل، وهو ما يفسر الاندفاعة غير المسبوقة لحكومة اليمين نحو إطلاق أكبر موجة استيطان منذ عقود، وذلك بالتزامن مع حرب الإبادة المفتوحة على غزة، وفي ظل حالة دولية مرتبكة ومتواطئة، وعاجزة عن وقف هذا المسار الذي لم يعد يخفي أهدافه.

الأخطر ليس فقط عدد المستوطنات الجديدة أو الوحدات السكنية التي يجري بناؤها، بل طبيعة العقل السياسي الذي يقود المشروع، فحكومة نتنياهو الحالية لا تنظر إلى الضفة باعتبارها أرضًا محتلة أو محل نزاع سياسي قابل للحل، بل كقلب للمشروع التوراتي النهائي؛ ولهذا لم يعد الحديث حول إدارة احتلال مؤقت، بل حول تثبيت ضم دائم ومتدرج عبر تحويل المستوطنات إلى مدن كبرى، وربطها بشبكات طرق وبنى تحتية وكتل أمنية واقتصادية تجعل من أي انسحاب مستقبلي أمرًا شبه مستحيل، بينما يتم تفتيت المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر معزولة فاقدة للحياة والسيادة والقدرة على الاستمرار.

ما يحدث في الأغوار يكشف جوهر الخطة، فهذه المنطقة التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة، وتمثل الخزان الزراعي والمائي والحدود الشرقية لفلسطين، والسيطرة عليها تعني خنق أي إمكانية متوهمة لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا؛ ولذلك تبدو خطة إقامة قرابة عشرين مستوطنة جديدة هناك جزءًا من معركة استعجال تاريخية تخوضها الحركة الاستيطانية قبل أي تغيرات دولية محتملة، خاصة مع شعور اليمين الإسرائيلي بأن لحظة ما بعد غزة توفر فرصة نادرة لإعادة رسم الخرائط بالقوة، مستفيدة من انشغال العالم بأزمة مضيق هرمز، والدعم الأميركي غير المحدود، وانهيار المنظومة القانونية الدولية التي تحولت في عهد ترامب ونتنياهو إلى مجرد نصوص بلا أسنان، فباتت قرارات الأمم المتحدة أقرب إلى بيانات عزاء سياسية، أو ربما نشرات أخبار.

ولعل ما يجعل المشهد أكثر خطورة هو التداخل الكامل بين جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، فالتقارير الأممية لم تعد تتحدث عن تجاوزات فردية أو عنف منفلت، بل بنية مؤسساتية متكاملة تدير العنف كأداة رسمية للتهجير القسري، بحيث يصبح المستوطن المسلح امتدادًا مباشرًا للدولة، وجيش الاحتلال غطاءً أمنيًا وإداريًا لمشاريع التهجير والاستيلاء على الأرض، وهو ما يعيد إلى الواجهة نماذج استعمارية عرفها العالم، حيث كان المستوطن هو رأس الحربة في تفكيك السكان الأصليين وتحويلهم إلى تجمعات معزولة فاقدة للموارد والسيادة.

وفي موازاة ذلك، يجري استهداف البنية السياسية والاقتصادية الفلسطينية نفسها بصورة منظمة، إذ تبدو أزمة السلطة المالية اليوم جزءًا من استراتيجية إسرائيلية مدروسة، لا مجرد نتيجة جانبية، خاصة مع استمرار "سموتريتش" في احتجاز أموال المقاصة وفرض قيود مالية خانقة دفعت مسؤولين في السلطة إلى وصف الوضع بأنه بات خطرًا وجوديًا يهدد بقاءها، الأمر الذي يكشف طبيعة المرحلة الجديدة، حيث يستخدم الاحتلال المال كسلاح بالتوازي مع البندقية والجرافة، فيجري إضعاف السلطة ماليًا ومؤسساتيًا، بينما يطلق العنان للمستوطنين لابتلاع الأرض وفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها لاحقًا.

معادلة تبدو شديدة الوضوح: خنق السلطة اقتصاديًا حتى تفقد قدرتها على أي شيء، وتوسيع النفوذ الاستيطاني، وخلق مراكز قوة جديدة فوق التلال والطرق والمعابر، وكأن حكومة الاحتلال تحاول الوصول إلى لحظة يصبح فيها الوجود الفلسطيني كله مجرد إدارة مدنية منهكة، بلا مال أو سيادة أو أفق سياسي، فيما تنتقل السيطرة الفعلية على الأرض بالكامل إلى المستوطنين.

وفي خضم هذه الحالة، تستعد فتح لعقد مؤتمرها الثامن وسط حالة تململ واستياء متصاعدة داخل قواعدها التنظيمية، مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بآليات اختيار أعضاء المؤتمر، والخشية من إعادة إنتاج البنية التقليدية ذاتها دون أي مراجعة سياسية، الأمر الذي يفتح باب القلق حول قدرة الحركة على استعادة دورها التاريخي في لحظة هي الأخطر، خاصة أن فتح، التي تبنت خلال السنوات الماضية خيار المقاومة الشعبية والسلمية، تجد نفسها اليوم أمام شارع فلسطيني لم يعد قادرًا على لمس أثر فعلي لهذا المسار في وقف الاستيطان أو ردع الاحتلال، لا سيما بعد السابع من أكتوبر الذي أعاد تشكيل المنطقة بالكامل، وكرس عودة القوة العسكرية والعنف بوصفهما اللغة المهيمنة.

وهنا تحديدًا تتجلى الأزمة الأكبر، إذ يبدو الفلسطيني اليوم عالقًا بين مشروع استيطاني هجومي لا يعترف إلا بالقوة، وسلطة منهكة ماليًا وسياسيًا، وحركة وطنية تاريخية تواجه أسئلة صعبة حول مشروعها وأدواتها وقدرتها على التجدد، بينما يتقدم الاحتلال بخطوات سريعة نحو فرض واقع الضم الكامل، مستفيدًا من الانقسام الداخلي الفلسطيني، وعجز المجتمع الدولي، وانهيار فكرة التسوية نفسها، خاصة بعدما تحولت أوسلو عمليًا إلى مظلة زمنية للتوسع الاستيطاني، لا أداة لإنهائه.

المصدر / فلسطين أون لاين