فلسطين أون لاين

رضيع بلا تشخيص

تقرير أمين اسليم… سبعة أشهر من الألم بانتظار فرصة نجاة

...
أمين اسليم لم يبدأ حياته كبقية الأطفال؛ فمنذ ساعاته الأولى دخل في معركة مفتوحة مع المرض
غزة/ مريم الشوبكي:

في ذروة اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لمدينة غزة، ومع اشتداد القصف وتسارع موجات النزوح، وخروج العديد من المستشفيات عن الخدمة في سبتمبر/أيلول 2025، كانت الشابة ضحى (21 عامًا) تواجه واحدة من أقسى لحظات حياتها: ولادة طفلها الأول.

لكن أمين اسليم لم يبدأ حياته كبقية الأطفال؛ فمنذ ساعاته الأولى، دخل في معركة مفتوحة مع المرض، ما زالت فصولها مستمرة حتى اليوم، دون تشخيص حاسم.

بداية قاسية

بعد نحو ست ساعات من ولادته، ارتفعت حرارة أمين ارتفاعا حادا لتصل إلى 40 درجة مئوية. أُعطي خافضات حرارة وأُعيد إلى المنزل، غير أن حالته لم تتحسن. وفي اليوم التالي، تكررت الحمى دون استجابة تُذكر.

5df35a69-74f1-499b-9243-2bf8cd0b3165.jfif

تقول والدته، التي تلازم مستشفى الرنتيسي غرب غزة: "استمرت حرارته حتى اليوم الثالث، بل كانت تزداد، إلى أن قرر الأطباء إدخاله إلى المستشفى".

أُجريت له فحوصات شاملة، بما فيها سحب عينة من السائل الشوكي، ليُشخّص بالتهاب الحمى الشوكية، ويقضي قرابة أسبوع في الحضانة لتلقي العلاج.

لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد. خلال أسابيعه الأولى، أصيب أمين بعدة التهابات متزامنة: في الدم، والأمعاء، والمسالك البولية، إلى جانب إصابته بطفيلي "الأميبيا المتحوّصلة" وهو في شهره الأول.

bd65414f-1e5a-4e19-b708-d9ea2e046fc9.jfif

تقول والدته: "كان يتنقل بين الحضانة والعلاج، وفي كل مرة يظهر التهاب جديد، ولم تغب الحمى عنه يومًا".

وتضيف لصحيفة "فلسطين": "في بعض الأحيان، كانت حرارته تصل إلى 42 درجة، وقد دخل في نوبات تشنج طويلة استمرت لأكثر من نصف ساعة".

معاناة تغذوية حادة

منذ ولادته، لم يتمكن أمين من الرضاعة الطبيعية أو الصناعية، إذ كانت كل محاولة لإطعامه تنتهي بإسهال فوري وتقلصات وانتفاخ.

توضح والدته: "جسمه لا يتقبل الحليب، كان يطرح كل ما يتناوله مباشرة".

وبعد ثلاثة أشهر، جرى اعتماد حليب خالٍ من اللاكتوز، ما حسّن حالته نسبيًا، دون أن يحل المشكلة جذريًا.

وُلد أمين بوزن 2.3 كيلوغرام، ولم يتجاوز وزنه خمسة كيلوغرامات عند بلوغه سبعة أشهر، في مؤشر واضح على سوء التغذية.

عند الشهر السادس، أظهرت صورة طبقية للدماغ وجود ضمور بسيط، انعكس على شكل ارتخاء عضلي وتأخر في النمو.

52848224-3130-4c64-ae3e-cc9af8848848.jfif
كما كشفت الفحوصات عن نشاط كهربائي زائد في الدماغ، ما يفسر نوبات التشنج المتكررة.

تقول والدته: "هو يتفاعل معنا ويحرك أطرافه، ما يعني أن الضمور ليس كاملًا، لكن السبب الحقيقي لكل ما يعانيه لا يزال مجهولًا".

نزيف بلا تفسير

في الشهر ذاته، ظهرت أعراض جديدة تمثلت بخروج كتل دموية متجلطة مع البراز.

ورغم إجراء فحوصات متعددة، لم يتمكن الأطباء من تحديد السبب. توقف النزيف مؤقتًا بعد العلاج، لكنه عاد مجددًا، فيما أوصى الأطباء بإجراء منظار للجهاز الهضمي، وهو فحص غير متوفر للأطفال في غزة.

لا تزال الحمى تلازم أمين بشكل شبه دائم، إلى جانب التهابات صدر متكررة ونوبات اختناق، خاصة خلال الليل.

تقول والدته: "نبقى مستيقظين طوال الليل بسبب تكرار نوبات الاختناق".

5df35a69-74f1-499b-9243-2bf8cd0b3165.jfif
 

كما يعاني من الجفاف نتيجة رفضه المتكرر للطعام، ما يضطر الأطباء إلى تعويض السوائل عبر الوريد.

رغم تعدد الفحوصات، لا يزال تشخيص حالة أمين غير مكتمل. تتراوح التفسيرات بين "حرارة مركزية" والتهابات مزمنة، دون تحديد السبب الجذري.

كما أوصى الأطباء بإجراء تحاليل جينية، خاصة مع وجود صلة قرابة بين الوالدين، إلا أن هذه الفحوصات غير متوفرة في قطاع غزة.

أمل معلّق على السفر

أمام هذا الغموض، قرر الأطباء تحويل أمين للعلاج خارج القطاع، لإجراء فحوصات متقدمة قد تنقذ حياته.

غير أن هذا الخيار يبقى مرهونًا بفتح المعابر.

تقول والدته: "أبلغنا الأطباء بضرورة سفره بشكل عاجل، لأن استمرار حالته دون علاج قد يؤدي إلى الشلل أو يهدد حياته".

ورغم كل شيء، لا يزال أمين يقاوم؛ يتابع بعينيه، ويحرك أطرافه، ويستجيب لمن حوله، ما يمنح عائلته أملًا هشًا بالنجاة.

تختم والدته: "ما زال يشعر بنا… وهذا وحده يجعلنا متمسكين بالأمل".

قصة أمين أسليم ليست مجرد حالة طبية، بل شهادة حيّة على معاناة أطفال وُلدوا في قلب الحرب، يكبرون بأمراض بلا تشخيص، وينتظرون عبورًا قد يكون الفارق بين الحياة والموت.