في قطاع غزة، حيث تتقاطع الحرب مع المرض، يخوض الشاب محمد شحادة ضبان (32 عامًا) معركة يومية قاسية من أجل التنفس، بعد أن رافقه مرضه المزمن منذ الطفولة، ليتحوّل جسده إلى ساحة مفتوحة للألم، وحياته إلى انتظارٍ طويل لفرصة علاج قد تنقذه.
منذ سن العاشرة، بدأت معاناة محمد مع التهابات رئوية حادة ومتكررة، ونوبات اختناق أجبرته على قضاء ساعات طويلة بين جلسات التبخيرات والعلاج، بينما كان أقرانه يعيشون طفولتهم بشكل طبيعي. يكبر محمد، ويكبر معه المرض، حتى دخلت حالته مرحلة أكثر خطورة قبل نحو ثمانية أعوام.
يقول شقيقه خضر ضبان لـ "فلسطين أون لاين": "خضع محمد لثلاث عمليات جراحية استُؤصل خلالها جزء من رئته، في محاولة لإنقاذ حياته". ورغم قسوة التجربة، تمسّك محمد بالأمل، وسعى لأن يعيش حياة أقرب إلى الطبيعية.
لكن مع اندلاع الحرب الأخيرة، وتكرار النزوح واختلاف الظروف المناخية، عادت حالته للتدهور. يضيف شقيقه: "بدأت الأعراض تعود بشكل أشد؛ استفراغ، وارتفاع في الحرارة، ودوخة، ثم عادت الالتهابات لتصيب الرئة الأخرى والشعب الهوائية، حتى بات عاجزًا عن الحركة".
اقرأ أيضًا: معبرٌ مغلق… ومرضى غزة في سباقٍ قاسٍ مع الموت
ولم يقتصر الألم على الجسد، بل امتد إلى الحالة النفسية، إذ تسببت الالتهابات الشديدة في انبعاث رائحة كريهة عند الكلام أو الاقتراب منه، ما زاد من شعوره بالحرج والعزلة. يقول خضر: "هذا الأمر أتعبه نفسيًا، وكأن المرض يريد أن يسلبه حتى حضوره بين الناس".
أما رحلة العلاج، فتحوّلت إلى معاناة مضاعفة، في ظل عجز المستشفيات عن توفير الإمكانيات اللازمة، ونقص الأدوية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى حساسية جسده تجاه كثير من العلاجات.
ويشرح شقيقه: "في كل مرة يدخل فيها لإجراء منظار لسحب السوائل من الرئة أو إزالة البلغم، نشعر أنه يفارق الحياة أمام أعيننا، فجسده لا يحتمل، وكل إجراء طبي يصبح مخاطرة".
يقضي محمد معظم أيامه بين أسرّة المستشفيات وغرف الانتظار، بينما تتآكل سنوات عمره تحت وطأة المرض والظروف القاسية.

ولا تتوقف المأساة عنده، إذ تعيش العائلة سلسلة من الأوجاع؛ شقيقه عمار يعاني من التهابات رئوية، وقد فقدوا والدهم وشقيقًا آخر بعد معاناة مع الفشل الكلوي، كما استشهد شقيق ثالث. أما عبداللطيف، فقد أُصيب مطلع الحرب بطلق ناري في قدمه، وخضع لـ12 عملية جراحية، ولا يزال جرحه مفتوحًا حتى اليوم.
في منزل واحد، تتراكم الأمراض والفقد والإصابات، حتى صار الألم جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ورغم كل ذلك، لا تزال العائلة تتشبث بأمل أخير، يتمثل في تحويلة علاجية عاجلة لمحمد وشقيقه عبداللطيف. ويختتم خضر حديثه قائلًا: "لا نطلب المستحيل… نريد فقط فرصة لعلاج أخي، فرصة لأن يتنفس دون ألم، وأن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة".

