فلسطين أون لاين

أسطول الصمود.. التضامن الذي لا ينكسر

لم يكن “أسطول الصمود” مجرد تحرك إنساني عابر في عرض البحر، بل هو تعبير حيّ عن إرادة عالمية ترفض الاستسلام لواقع الحصار، وتؤكد أن غزة ليست وحدها في مواجهة الموت. فبينما بتعرض القطاع المحاصر لواحدة من أقسى الحروب والابادة الأزمات الإنسانية التي لم تنتهي، تبرز هذه المبادرات بوصفها رسالة واضحة مفادها أن التضامن لا يزال ممكناً، وأن كسر العزلة ليس وهماً بل خياراً يتجدد مع كل محاولة.

إن الاعتداء على الأسطول يعكس طبيعة المرحلة، حيث يسعى الاحتلال إلى تحويل كل فعل تضامني إلى هدف مشروع، في محاولة لردع أي تحرك شعبي أو دولي يمكن أن يخفف من وطأة الحصار. لكن المفارقة أن هذه الاعتداءات نفسها تسهم في تعرية هذا السلوك أمام العالم، وتدفع مزيداً من الأصوات الحرة إلى الانخراط في مسار التضامن. فكلما اشتد القمع، اتسعت دائرة الوعي، وكلما أُغلقت الطرق، فُتحت مسارات جديدة للفعل.

غزة اليوم لا تواجه حصاراً تقليدياً فحسب، بل تعيش تحت ضغط مركّب من القتل والتجويع والحرمان من أبسط مقومات الحياة. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه هذا الواقع ليس القصف وحده، بل اعتياد العالم عليه. هنا تحديداً تتجلى أهمية “أسطول الصمود”، ليس فقط كوسيلة لإيصال المساعدات، بل كأداة لكسر حالة التكيّف الدولي مع المأساة. إنه يذكّر بأن ما يجري ليس طبيعياً، وأن الصمت ليس موقفاً محايداً.

إن تفعيل التضامن لم يعد ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة سياسية وإنسانية. المطلوب اليوم هو الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى حالة فعل مستدام، تتكامل فيها الأدوار بين الشعوب والمؤسسات. فالمظاهرات، وحملات المقاطعة، والضغط الإعلامي، وحتى المبادرات الرمزية كإطلاق الأساطيل، جميعها تشكّل أدوات متراكمة يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً في ميزان الضغط الدولي. وما أثبتته التجارب أن الاحتلال يتأثر، ولو تدريجياً، حين يتحول التضامن إلى حالة واسعة يصعب احتواؤها.

في المقابل، فإن الاستسلام لفكرة أن الواقع لا يمكن تغييره هو أخطر أشكال الهزيمة. فالحصار لم يُفرض لأنه قدر، بل لأنه وُوجه في لحظات سابقة بضعف في الفعل الجماعي. واليوم، مع تصاعد الحراك الشعبي العالمي، تتوفر فرصة لإعادة تشكيل هذا الواقع، شرط أن يُحسن استثمار هذا الزخم، وأن لا يُترك ليتبدد تحت ضغط الوقت أو اليأس.

لقد أثبتت غزة، رغم كل ما تواجهه، أنها قادرة على الصمود، لكنها في الوقت ذاته بحاجة إلى عمقها الشعبي والإنساني. فالمعركة لم تعد محصورة في الجغرافيا، بل امتدت إلى الوعي العالمي. وهنا، يصبح كل فعل تضامني جزءاً من معركة أوسع، عنوانها: رفض الموت المجاني، والدفاع عن الحق في الحياة.

في النهاية، قد لا تصل كل السفن إلى شواطئ غزة، لكن رسائلها تصل أبعد من ذلك. إنها تصل إلى ضمير العالم، وتضعه أمام مسؤوليته. وبينما تستمر غزة في مواجهة الموت، يبقى الرهان على أن هذا التضامن، إذا ما تم تفعيله واستمراره، قادر على كسر الحصار، أو على الأقل كسر الصمت الذي يحيط به.

المصدر / فلسطين أون لاين