مع انبلاج كل صباح في قطاع غزة، لا يتجه آلاف العمال إلى مصانع أو ورش أو مواقع بناء كما اعتادوا، بل يسيرون نحو ركام المنازل المدمّرة، حاملين أدوات بدائية وأملًا هشًّا بالبقاء. في مشهد يختلط فيه الغبار بذكريات البيوت، تحوّل الركام إلى مصدر رزق مؤقت، وساحة عمل قاسية تفتقر إلى أدنى شروط الأمان.
هنا، يعمل الرجال لساعات طويلة تحت الشمس، يفتّشون بين الحجارة عن لقمة تسند أطفالهم، بعد أن فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم بفعل سنوات الحرب التي طالت كل شيء. بعضهم كانوا عمالًا داخل الأراضي المحتلة، عادوا منها بخيبات ثقيلة، بعد أن فقدوا مدخراتهم وتعرّضوا للاعتقال والتعذيب، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة قاسية مع الفقر، بلا حقوق ولا حماية ولا أفق واضح، سوى الاستمرار في العمل مهما كان الثمن.
البدء من الصفر
مع أول خيط للضوء، ينهض العامل محمود الجملي من فراشه داخل مركز إيواء غرب مدينة غزة، يوقظ جسده المتعب قبل أطفاله الذين ينامون متلاصقين بسبب ضيق الخيمة. يحمل مطرقته ومجرفته ويغادر بصمت، تاركًا خلفه زوجة تحاول تدبير يومها بما يتوفر من القليل.
كان الجملي قبل الحرب عاملًا داخل الأراضي المحتلة، يعتمد على دخله اليومي لتأمين حياة مستقرة نسبيًا لأسرته. لكن الحرب قلبت كل شيء؛ خسر عمله ومدخراته، وحتى منزله الذي تحوّل إلى كومة من الحجارة. يقول وهو يمسح العرق عن جبينه لصحيفة "فلسطين": "لم يبقَ لنا شيء… البيت راح، والشغل راح، وكل ما جمعته سنين طويلة تبخّر بلحظة".
اليوم، يعمل الجملي في إزالة ركام المنازل، يقضي ساعات طويلة في كسر الحجارة ونقلها، مقابل أجر لا يتجاوز 80 شيقلًا يوميًا. ويضيف بصوت متعب: "أخرج مع الفجر وأعود مع المغرب، أحيانًا لا أشعر بيدي من التعب، لكن ماذا أفعل؟ أولادي يريدون أن يأكلوا".
يقسم الجملي دخله القليل بين شراء الخبز وبعض الخضروات إن توفرت، وأحيانًا يضطر للاستدانة لتأمين احتياجات أساسية. يقول: "الـ80 شيقلًا تذهب بسرعة… نشتري خبزًا وبعض الخضروات، ولا نستطيع حتى التفكير في اللحم أو الفاكهة". تعيش أسرته في مركز الإيواء، حيث تفتقر الحياة إلى أبسط مقومات الكرامة، ومع ذلك يتمسّك محمود بأمل صغير: "أحلم أن أزيل الركام عن بيتي وأبني غرفة تأوينا… حتى لو كانت من الصفيح".
وبينما يواصل ضرباته على الحجارة، لا يخفي الجملي ألمه مما مرّ به خلال عمله السابق داخل الأراضي المحتلة، قائلًا: "تعرّضنا للإهانة والاعتقال، وضاعت أموالنا… واليوم نبدأ من الصفر، بل من تحت الصفر". لكنه، رغم ذلك، يصرّ على الاستمرار: "لن أستسلم… أولادي يستحقون أن أقاتل من أجلهم".
أدوات بدائية وشمس حارقة
تحت شمس حارقة، يقف ماهر الصوالحة وسط كومة من الركام، يضرب بمطرقته الثقيلة حجرًا تلو الآخر، وكأن كل ضربة تحمل في طياتها غضبًا مكبوتًا وأملًا عنيدًا. ماهر، الذي يعيل أسرة مكوّنة من خمسة أفراد، لم يعرف الراحة منذ أن فقد عمله مع اندلاع الحرب.
يبدأ يومه في وقت مبكر، ولا ينتهي إلا بعد أكثر من 11 ساعة من العمل المتواصل. يستخدم أدوات بدائية، ويعمل في ظروف خطرة دون أي وسائل حماية. يقول بصوت متقطّع من شدّة الإرهاق لـ"فلسطين": "نحن نعمل بأيدينا العارية تقريبًا… لا قفازات، لا خوذات، ولا حتى ماء كافٍ لنشربه".
كان الصوالحة يعمل في قطاع البناء قبل الحرب، لكن تدمير المنشآت وغياب فرص العمل دفعه إلى هذا العمل الشاق. ويضيف: "لم نختر هذا العمل… لكننا أُجبرنا عليه لنعيش". ومع كل يوم عمل، يعود منهكًا إلى درجة أنه بالكاد يستطيع السير. يقول: "عندما تغيب الشمس، أشعر أن جسدي انتهى… أحيانًا أجلس على الأرض ولا أستطيع الوقوف من شدّة التعب".
ورغم هذا الجهد المضني، لا يتجاوز أجره اليومي 100 شيقل، وهو مبلغ لا يكفي لتلبية احتياجات أسرته. ويوضح: "نقسم المبلغ بين الطعام والماء… ولا يبقى شيء. حتى الأطفال حرمناهم من أشياء كثيرة".
يحمل الصوالحة همًّا مضاعفًا؛ فهو لا يعمل فقط من أجل البقاء، بل من أجل الحفاظ على كرامته. يقول: "أصعب شيء أن ترى أولادك بحاجة وأنت عاجز… هذا العمل، رغم قسوته، يعطيني شعورًا أنني ما زلت قادرًا على العطاء". لكنه لا يخفي مخاوفه: "إذا أُصبت أو مرضت، من سيعيل عائلتي؟ لا يوجد أي ضمان أو حماية لنا".
ومع كل حجر يرفعه، يدرك ماهر أن ما يبنيه ليس فقط مأوى مؤقتًا، بل محاولة للبقاء في وجه واقع لا يرحم.
أحلك محطات حياتهم
من ناحيته، يقول نقيب اتحاد العمال في قطاع غزة، سامي العمصي، لـ"فلسطين": إن "العمال في غزة يعيشون اليوم واحدة من أحلك الفترات في تاريخهم، فقد تضافرت آثار الحرب مع سنوات طويلة من الحصار لتدفع هذه الشريحة إلى حافة الانهيار الكامل".
ويضيف العمصي: "قبل الحرب، كان العمال يعانون أصلًا من هشاشة اقتصادية، لكن ما نشهده اليوم هو انهيار شامل في سوق العمل، حيث فقد مئات الآلاف مصادر رزقهم بشكل كامل". ويوضح أن "نحو 85% من العمال باتوا بلا عمل، فيما تجاوزت معدلات الفقر 90%، وهي أرقام تعكس كارثة إنسانية غير مسبوقة".
ويتابع: "أكثر من 400 ألف عامل أصبحوا عاطلين عن العمل، بعد تدمير غالبية القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك الزراعة والصناعة والنقل والصيد، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل في الاقتصاد المحلي".
ويشير إلى أن "تدمير أكثر من 90% من المنشآت الصناعية، وتحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى مناطق غير صالحة للعمل، حرم آلاف العمال من مصدر رزقهم"، مضيفًا: "حتى قطاعا الصيد والنقل لم يسلما من هذا الدمار، ما وسّع دائرة البطالة بشكل غير مسبوق".
ويؤكد العمصي أن "العمال اليوم يعملون في ظروف قاسية وخطرة، دون أي حقوق أو حماية، ويضطرون لقبول أجور متدنية لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، فقط من أجل البقاء".
كما يلفت إلى معاناة العمال الذين كانوا يعملون داخل الأراضي المحتلة، قائلًا: "الكثير منهم تعرّضوا للاعتقال والتعذيب، وخسروا مدخراتهم، وعادوا ليجدوا أنفسهم بلا عمل أو مأوى".
ويحذّر من أن "استمرار هذا الواقع ينذر بانفجار إنساني واجتماعي خطير"، داعيًا المجتمع الدولي إلى "التدخل العاجل لتوفير الحماية للعمال، وخلق فرص عمل، وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم".
ويختتم بالقول: "ما يعيشه العمال في غزة اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل معركة يومية من أجل البقاء"