وسط ركامٍ ثقيلٍ يختزن ذكريات العمر، وقف علاء جودة يتأمل ما تبقى من منزله الذي كان يومًا نابضًا بالحياة. أربعة طوابق ومخازن واسعة بناها حجرًا فوق حجر، وورث مهنة المقاولات أبًا عن جد، حتى صار البناء جزءًا من هويته، لا مجرد مهنة يعتاش منها. لكن الحرب لم تُبقِ له سوى أكوامٍ من الإسمنت والحديد والغبار.
علاء، خريج اللغة الإنجليزية، لم يتخيل يومًا أن يتحول بيته، الذي كان يصفه بـ"الوطن الصغير"، إلى ركام يستحيل السكن فيه، أو حتى إزالة أنقاضه بسهولة. ويقول لصحيفة "فلسطين" بصوت تختلط فيه الحسرة بالإصرار: "كان المنزل يمثل لنا الحياة والوطن، وفجأة شعرت باليأس والصدمة والإحباط عندما رأيته مدمرًا بالكامل".
وفي الأيام الأولى للنزوح، وجد نفسه أمام خيارات قاسية؛ مدارس مكتظة تفتقر إلى الأمان، ومخيمات نزوح تنهكها الأمراض وتنعدم فيها الخصوصية. كان يدرك أن أطفاله وعائلته يحتاجون إلى أكثر من خيمة تقليدية تقيهم المطر أو حرّ الشمس، بل إلى مساحة تمنحهم شيئًا من الإحساس بالحياة، ولو فوق الركام.
ومن قلب المأساة، وُلدت الفكرة. يقول علاء: "عندما شعرت أن المدارس غير آمنة، وأن المخيمات تفتقر للخصوصية، قررت أن أستقر فوق ركام منزلي بدلًا من نصب خيمة عادية".
وبحكم خبرته الطويلة في المقاولات، نظر إلى الركام بعين البنّاء لا بعين المهزوم. لم تكن هناك معدات ثقيلة لإزالة الأنقاض، ولا إمكانيات لإعادة الإعمار، فاختار حلاً آخر؛ تسوية الركام واستصلاحه للبناء فوقه.
وبيديه، بدأ ينتشل ما تبقى من أخشاب وحديد ومعدات دفنتها الحرب تحت الأنقاض. كان يجمع القطع المتناثرة كما لو أنه يجمع بقايا ذاكرته. استخدم الخشب والشوادر والحديد، وصنع كوخًا صغيرًا بتصميم مختلف عن الخيام التقليدية، تصميم يحفظ خصوصية العائلة ويمنحها قدرًا من الأمان في مواجهة الحر والبرد والأمطار.
ويتابع: "استوحيت الفكرة من حياة النزوح، لكنني طورتها لتتناسب مع الاحتياجات الأساسية، مثل الخصوصية والأمان ومواجهة الظروف الجوية".
لم يكن الأمر سهلًا؛ فالركام غير مستوٍ، والمواد شحيحة، والمشهد العام يوحي بالانكسار، لكنه أصرّ على تحويل المكان إلى مساحة قابلة للحياة، مؤمنًا بأن الإنسان قادر على البدء من جديد، حتى لو كان ذلك فوق الخرابه ذاته.
داخل الكوخ الخشبي لا توجد رفاهية، لكن هناك كرامة يحاول صاحبها الحفاظ عليها. يقول وهو يشير إلى السقف الخشبي: "تمكنت من البناء باستغلال ما تبقى من معداتي وأخشابي التي كنت أملكها قبل الحرب، فهذا المكان أفضل من وجودي داخل مراكز الإيواء".
ومع مرور الوقت، تحول الكوخ إلى قصة يتداولها الجيران والنازحون، ليس لأنه منزل متكامل، بل لأنه رمز لمحاولة النجاة بكرامة. كثيرون يقفون أمامه بدهشة، متأملين كيف استطاع إنسان أن يصنع مأوى من بقايا منزله المدمر.
ورغم كل ما فقده، لا يتحدث علاء بلغة الهزيمة، بل برسالة واضحة وحاسمة: "لا مكان للمستحيل، ويجب أن نتأقلم مع واقعنا المرير".
ويوجه حديثه لكل من يعيش ظروفًا مشابهة قائلًا: "لا تيأسوا، واستغلوا المساحات المتبقية في بيوتكم، وحاولوا استصلاح أي جزء منها".
وبينما تغيب مواد البناء وتتعطل معدات إزالة الركام، يبقى علاء مؤمنًا بأن القدرة على الصمود تبدأ من الداخل، من الفكرة الصغيرة التي يخلقها الإنسان لينقذ نفسه وعائلته من العجز الكامل.
ويختتم حديثه بكلمات تختصر حكايته: "تصنع الحياة بالأمل والصمود والصبر والعزيمة والإصرار، والقدرة على البدء من جديد، ولابد أن تنتهي هذه الغمة يومًا ما".