تتسارع وتيرة الأزمة الصحية في قطاع غزة مع تفاقم النقص الحاد في أجهزة القلب والمستلزمات الطبية الأساسية، ما أدى إلى تعطّل أقسام حيوية وحرمان مئات المرضى من العلاج اللازم، في ظل قيود مستمرة على إدخال هذه الأجهزة. ويجد الأطباء أنفسهم أمام خيارات محدودة لإنقاذ المرضى، بينما تتزايد المخاوف من ارتفاع معدلات الوفيات مع استمرار تدهور الخدمات الصحية.
ويؤكد أطباء في مستشفيات القطاع أن أقسام القلب تواجه شحًا غير مسبوق في الأجهزة والمنظومات الطبية، لا سيما تلك التي تُزرع داخل القلب لتنظيم ضرباته، إلى جانب نقص قطع الغيار والأجهزة اللازمة لبرمجتها.
معاناة المرضى
يقول الدكتور أحمد شعت، رئيس قسم القلب في مجمع ناصر الطبي، لصحيفة "فلسطين"، إن المستشفيات لم تعد قادرة على التعامل مع الحالات الحرجة بالشكل المطلوب، موضحًا أن المرضى الذين يعانون من ضعف شديد في ضربات القلب لا يمكن إخراجهم دون تركيب أجهزة تنظيم، وعلى رأسها جهاز "البيس ميكر"، وهو ما بات شبه مستحيل في ظل منع إدخاله عبر المعابر.
وأشار شعت إلى تزايد أعداد المرضى بشكل ملحوظ نتيجة عدة عوامل، أبرزها سوء التغذية، والتعرض المستمر للدخان والقصف، إلى جانب الضغوط النفسية والجهد اليومي الكبير الذي يبذله المواطنون. وأضاف أن الأطباء رصدوا أيضًا ارتفاعًا في حالات اعتلال عضلة القلب، بما في ذلك بين النساء بعد الولادة.
نقص الأدوية والفحوصات
ولا تقتصر الأزمة على نقص الأجهزة، بل تمتد إلى غياب الأدوية الأساسية والفحوصات المخبرية الضرورية. ووفق شعت، تعجز المستشفيات عن إجراء تحاليل مهمة مثل إنزيمات القلب، التي تُمكّن من التمييز بين الجلطات القلبية والذبحة الصدرية، إلى جانب نقص خطير في تحاليل سيولة الدم، ما يرفع احتمالات حدوث مضاعفات قد تصل إلى الوفاة.
وفي السياق ذاته، أوضح أن الأجهزة الطبية التي كانت تدخل القطاع عبر تنسيقات سابقة توقفت منذ نحو عام، رغم توفر كفاءات طبية قادرة على إجراء العمليات اللازمة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الصحي.

من جانبه، أكد الدكتور وائل حجازي، رئيس قسم القسطرة في مستشفى غزة الأوروبي، أن القسم خرج فعليًا عن الخدمة نتيجة النقص الحاد في المستلزمات والأدوات الطبية، مشيرًا إلى أن العمل يقتصر حاليًا على حالات إنقاذ الحياة فقط وبإمكانات محدودة للغاية.
وأوضح حجازي لـ"فلسطين" أن استمرار منع إدخال مستلزمات القسطرة، إلى جانب البطاريات والأجهزة المنظمة لضربات القلب، ينذر بتوقف كامل للخدمات، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى، خاصة الحالات التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة.
وبيّن أن أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى القسطرة القلبية تُقدّر بالآلاف، فيما تصل الحالات الحرجة إلى المئات، لافتًا إلى أن أمراض القلب تُعد السبب الأول للوفاة عالميًا، ما يجعل الوضع في غزة أكثر خطورة في ظل الظروف الحالية.
وحول أسباب منع إدخال المعدات، أشار حجازي إلى أن الصورة لا تزال غير واضحة، لافتًا إلى أن بعض الوفود الطبية التي وصلت إلى القطاع حملت مستلزمات طبية، إلا أنها صودرت ولم يُسمح بإدخالها.
تدهور مستمر
وفي ظل هذه الظروف، تروي المواطنة فاطمة بركة (47 عامًا)، وهي مريضة قلب، معاناتها مع نقص العلاج، قائلة: "أعاني من ضعف في عضلة القلب منذ سنوات، وكنت بحاجة إلى متابعة دورية وأدوية منتظمة، لكن في الفترة الأخيرة لم أعد أجد الدواء بسهولة، وحتى الفحوصات التي يطلبها الأطباء غير متوفرة".
وتضيف: "أشعر بتعب مستمر وخوف من تدهور حالتي، خاصة أن الأطباء أخبروني أنني قد أحتاج إلى تدخل طبي في أي وقت. المشكلة أننا لا نعرف ماذا نفعل إذا ساءت الحالة في ظل غياب الإمكانيات".
ودعا الأطباء منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسائر المنظمات الدولية، إلى التدخل الفوري والضغط من أجل تأمين إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية، وضمان استمرارية الخدمات الصحية الأساسية.
ومع استمرار الأزمة، يبقى مرضى القلب في غزة أمام واقع صحي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الحاجة الطبية الملحّة مع نقص الإمكانيات، في مشهد ينذر بتفاقم الكارثة ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة على المستوى الدولي

