في هذه الآية يسطع قانونٌ أبديّ، كأنه نداء من السماء إلى الأرض: أن التغيير لا يُمنح هبةً، ولا يُفرض قسرًا، بل يُولد من أعماق النفوس حين تعزم على مراجعة ذاتها، وتعيد ترتيب ما في داخلها قبل أن تطلب تبدّل ما حولها. هو فقه التحول الذي يجعل الإنسان سيد مصيره، لا تابعًا للظروف، ويحوّل الأمة من حالة الركود إلى لحظة الانبعاث. إنها ملحمة داخلية تبدأ من القلب والعقل، ثم تمتد لتصوغ التاريخ، لتقول إن الطريق إلى النهضة لا يُشق إلا حين ينهض كل فرد، فيحمل الفكرة بصدق، ويجعلها حياة تُعاش لا شعارًا يُرفع.
في الأفق الفلسطيني، يلوح المؤتمر الثامن لحركة فتح كجبلٍ شاهقٍ تتلاطم عند سفحه رياح التاريخ. ليس مجرد اجتماعٍ تنظيمي، بل وقفة على حافة قدرٍ يتردد صداه بين الماضي المثقل والآتي المجهول. هناك، حيث تتقاطع الطرق، يتساءل الناس: هل ستنهض الحركة كفينيقٍ من رمادها، أم ستظل أسيرة دوامة التوازنات القديمة؟
أزمة فتح ليست حدثًا عابرًا، بل هي ملحمة طويلة، كتبت فصولها بأحبارٍ ثلاثة:
• فكرٌ تحرريٌّ لم يُجدّد سلاحه النظري أمام زحف الدولة والمؤسسات.
• سلطةٌ تحت الاحتلال كبّلت جناحيها بقيودٍ وظيفية شوهت ملامحها.
• نخبٌ متكلسة أغلقت أبواب التداول، فخبت جذوة التجدد الذاتي.
وفي قلب المشهد الفلسطيني، حيث الانقسام ينهش الجسد، والثقة الشعبية تتساقط كأوراق الخريف، يصبح المؤتمر القادم امتحانًا تاريخيًا، لا مجرد محطة شكلية. إما أن يكون لحظة مراجعة جريئة تعيد تعريف هوية فتح بين الثورة والسلطة، وإما أن يغدو مسرحًا لإعادة إنتاج الأزمة، كعجلة تدور في فراغ.
التحول الحق ليس إجراءً ولا تقنية، بل هو انبعاثٌ روحيٌّ وفكريٌّ، يقتضي إعادة رسم المشروع الوطني، وفصلًا بين التنظيم والسلطة، وتجديدًا للنخب على أساس الكفاءة لا الولاء، وإرساء قواعد مؤسسية تُعيد للبيت الفلسطيني توازنه. إنه نداء للعودة إلى جوهر القضية، دون أن يُغفل تعقيدات الواقع.
ويبقى السؤال المعلّق في فضاء التاريخ، كجرسٍ لا يهدأ: هل تمتلك فتح الإرادة لتنهض كفارسٍ يلمع سيفه في وجه العاصفة، أم ستظل حبيسة قلاعها الداخلية، في حين تتجاوزها التحولات الكبرى؟

