فلسطين أون لاين

حرمان من العلاج وقتل بطيء.. أبو طه ضحية جديدة لآلة الحصار والحرب الإسرائيلية

...
الجريح محمد أبو طه
غزة/ عبد الرحمن يونس:

على سرير في مستشفى ناصر جنوب قطاع غزة، يرقد الشاب محمد أبو طه (23 عامًا) بين الحياة والموت، في حين يواصل الحصار الإسرائيلي إغلاق أبواب العلاج أمامه، ليبقى معلقًا على أجهزة التنفس الاصطناعي في انتظار فرصة نجاة قد لا تأتي.

لا يعلو صوت في الغرفة فوق أزيز أجهزة التنفس الاصطناعي التي تمنح محمد حياةً مستعارة. إلى جانبه يجلس والده يونس أبو طه، بوجه أنهكته الأيام وعينين لم تعرفا النوم منذ أشهر، يراقب حركة صدر ابنه بخوف، ممسكًا بيده التي كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها اليوم باردة كالممرات المحيطة به.

يقول الوالد يونس بمرارة لصحيفة "فلسطين": "لم تكن مجرد شظية أو إصابة عابرة، بل كانت زلزالًا دمّر مستقبل عائلتنا. في السابع والعشرين من أغسطس/آب 2025، أُصيب محمد إصابة مباشرة وخطيرة في الرأس، أدت إلى تهتك شديد في عظمة الجمجمة، ومنذ ذلك اليوم فقد القدرة على الكلام والمشي وحتى أبسط الحركات الإرادية. محمد اليوم جسد بلا روح، ينتظر معجزة أو قرارًا ينهي هذا الحصار".

ويسترجع الأب رحلة طويلة من الإجراءات الطبية المعقدة للحصول على تحويلة علاجية إلى الخارج، حيث تتوفر الإمكانيات اللازمة لترميم الجمجمة وإعادة التأهيل العصبي، معتبرًا أنها كانت "طوق النجاة الأخير" للعائلة.

يتابع بصوت يملؤه القهر: "حصلنا على كل الأوراق، وكان الأمل يملأ قلوبنا بأن محمد سيعود للحياة، لكن الاحتلال أغلق في وجوهنا الباب الأخير. إغلاق معبر رفح منذ تصاعد الحرب حوّل التحويلة إلى مجرد ورقة بلا قيمة، والمعبر مغلق والطريق إلى النجاة مسدود".

ويضيف: "هذه ليست حربًا على المقاتلين فقط، بل حرب إبادة ضد المدنيين. الاحتلال لا يقتل بالقصف فقط، بل يقتل بالبطء عبر حرمان المرضى من العلاج".

منظومة صحية منهكة

في قطاع غزة، الذي يعاني من استهداف متواصل للمنظومة الصحية، لم تعد المستشفيات قادرة على تقديم سوى حلول إسعافية مؤقتة لحالات حرجة مثل حالة محمد، في ظل نقص حاد في الأجهزة والتخصصات الطبية والمواد الجراحية.

ويقول الأب: "الأطباء أخبروني بوضوح أن علاج محمد غير متوفر في غزة. حالته تحتاج إلى جراحات دقيقة غير ممكنة هنا. أي تأخير في السفر يعني مضاعفات خطيرة قد تؤدي إلى وفاته في أي لحظة".

ويتابع: "كل ساعة تمر هي تهديد مباشر لحياته، والسبب الوحيد هو إغلاق المعابر".

لا يقتصر الألم على محمد، بل يمتد إلى عائلته التي تعيش حالة من الانكسار اليومي. يقول الأب: "أحيانًا أتخيله ينهض ويتحدث معي كما كان، لكن الواقع قاسٍ. حالته تتدهور، والأطباء يحذرون من خطر الموت الوشيك".

ويضيف بصوت متهدج: "نحن في سباق مع الزمن، لكن الزمن هنا يسرقه الحصار".

نداء إنساني

ومن داخل المستشفى، يوجه يونس أبو طه نداء استغاثة عبر "صحيفة فلسطين" إلى المؤسسات الدولية والحقوقية: "لا أطلب المستحيل، فقط أطلب حق ابني في العلاج والحياة. فتح المعابر للحالات الإنسانية ضرورة عاجلة".

ويختم بقوله: "محمد في ريعان شبابه، كان يحلم بمستقبل طبيعي، واليوم حلمه الوحيد أن يتنفس دون أجهزة. كل يوم تأخير هو حكم إعدام بطيء".

بين أنين الأجهزة وصمت الغرفة، يبقى محمد أبو طه معلقًا بين الحياة والموت، فيما يستمر الحصار في تحويل المرض إلى مأساة مفتوحة بلا نهاية.

المصدر / فلسطين أون لاين