لم يعد شهر إبريل/ نيسان في قطاع غزة كما كان يُعرف تقليديا ببداية الربيع وموسم جني العسل، فالمشهد الذي اعتاده المواطنون لسنوات، إذ تتفتح الأزهار وتمتد المساحات الخضراء في المناطق الشرقية والشمالية، تراجع تراجعا حادا، مع انهيار أحد أبرز الأنشطة الزراعية المرتبطة بهذا الموسم: تربية النحل وإنتاج العسل.
قبل حرب الإبادة، شكّل هذا القطاع مصدر دخل مهما لآلاف المزارعين والعاملين في هذا المجال، الذين اعتمدوا على تنوع الغطاء النباتي في المناطق الحدودية لإنتاج عسل محلي عالي الجودة، قادر على منافسة المستورد.
غير أن هذا النشاط تعرض لضربة قاسية خلال عامين ونصف العام من الحرب، عقب عمليات تدمير إسرائيلية واسعة طالت الأراضي الزراعية والأشجار والدفيئات، ما أدى إلى تقليص كبير في المساحات القابلة للإنتاج، خاصة مع سيطرة الاحتلال على أكثر من 65% من مساحة القطاع.
خسائر فادحة
عمران وهدان، هو أحد مربي النحل في بيت حانون شمال غزة، فقد نحو 80 خلية نحل كان يديرها مع أشقائه، تنقل خلال الحرب بين مناطق مختلفة هربا من القصف، قبل أن يخسر منزله ومزرعته بالكامل.
يقول وهدان لصحيفة "فلسطين" إن استئناف العمل في هذا المجال بات شبه مستحيل، مع فقدان الخلايا وغياب البيئة الزراعية المناسبة.
يضيف وهدان أن تربية النحل لم تكن مجرد مصدر دخل، بل مهنة متوارثة وخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة، موضحا أن خسارة الخلايا تعني فقدان دورة إنتاج كاملة يصعب تعويضها سريعا، خاصة في ظل غياب الدعم والإمكانات.
ويشير إلى أن النحالين كانوا يعتمدون على مواسم الأزهار في المناطق الشرقية، التي لم تعد موجودة اليوم، ما أفقد النحل مصدره الأساسي للغذاء.
ويتابع أن إعادة بناء هذا القطاع تتطلب أكثر من مجرد تعويض مادي، إذ تحتاج إلى بيئة زراعية آمنة ومستقرة، وعودة الغطاء النباتي، فضلا عن تسهيل إدخال خلايا النحل والمعدات عبر المعابر.
ويؤكد أن كثيرا من النحالين فقدوا الأمل في العودة إلى هذه المهنة في الوقت القريب، في ظل استمرار الظروف الحالية وتعقيداتها.
توقف تام
في شرق مدينة غزة، يروي أبو علي أبو جهل تجربة مشابهة، بعد أن دُمر منزله ومزرعته في منطقة الشعف، والتي كانت تضم خلايا نحل إلى جانب تربية الأغنام والطيور.
ومع استمرار الوجود العسكري للاحتلال في المناطق الشرقية، وغياب الأزهار التي يعتمد عليها النحل، لم يعد قادرا على العودة إلى هذا النشاط، إضافة إلى القيود المفروضة على إدخال النحل عبر المعابر.
هذا التراجع لم يقتصر على المنتجين، بل امتد أثره إلى المستهلكين. فالعسل المحلي، الذي كان متوفرا مع بداية كل موسم، أصبح نادرا في الأسواق، ما دفع إلى الاعتماد على المستورد، الذي غالبا ما يكون أعلى سعرا وأقل جودة.
كما فقد كثيرون منتجا ارتبط باستخدامات غذائية وعلاجية، خاصة في أوقات الأزمات التي شهدت نقصا حادا في السكر وارتفاع أسعاره.
أرقام صادمة
وبحسب الجمعية التعاونية لمربي النحل في قطاع غزة، بلغت خسائر القطاع نحو 39 مليون دولار، نتيجة تدمير معظم المناحل والغطاء النباتي. كما نفق ما يقارب 30 ألف خلية نحل، وهو العدد الإجمالي المسجل قبل الحرب.
وأدت هذه الخسائر إلى تعطّل نحو 6100 عامل، يشكلون العمود الفقري لهذا النشاط، فيما يبلغ عدد النحالين 905، بينهم 105 نحالات، كما أسفرت الحرب عن استشهاد 20 نحالا، وفق بيانات الجمعية.
ويحتاج قطاع غزة سنويا إلى نحو 450 طنا من العسل، كان يُنتج منها محليا قرابة 380 طنا قبل الحرب، بعجز يُقدّر بـ70 طنا يُغطى عبر الاستيراد. إلا أن تدمير البنية الإنتاجية يهدد بتوسيع هذه الفجوة، ويضع قطاع تربية النحل أمام واقع شديد التعقيد، في ظل غياب مقومات التعافي على المدى القريب.

