فلسطين أون لاين

تقرير آيسل الترامسي… رضِيعة تُصارع الألم قبل أن تعرف الحياة

...
الرضيعة آيسل الترامسي
غزة/ هدى الدلو:

في منزلٍ متواضع، تعيش الرضيعة آيسل الترامسي شهورها الأولى بين نوبات الألم والبكاء، بدلًا من ضحكات الطفولة وهدوء المهد. لم تتجاوز ستة أشهر من عمرها، لكن نصفها تقريبًا مضى في رحلة علاج قاسية، أثقلت كاهل أسرتها بقلقٍ لا يغادر.

لم تعش آيسل سوى ثلاثة أشهر من حياةٍ بدت طبيعية نسبيًا، قبل أن ينقلب كل شيء فجأة. تروي والدتها لصحيفة "فلسطين" لحظة التحول قائلة: "بدأت تبكي بشكل متواصل ودون سبب واضح، كان بكاءً مختلفًا ومؤلمًا، فحملتها فورًا إلى المستشفى وأنا لا أعرف ما الذي يحدث لها".

وما إن وصلت الأم إلى المستشفى، حتى دخلت الصغيرة في نوبات تشنج متكررة استمرت طوال فترة مكوثها التي امتدت لعشرين يومًا. خلال تلك الأيام، خضعت آيسل لسلسلة مكثفة من الفحوصات والتحاليل والصور الشعاعية، في محاولة لتشخيص ما يهاجم جسدها الغض.

تقول والدتها: "أخبرنا الأطباء بأنها تعاني من نقص في نمو خلايا الدماغ، وهو ما يسبب التشنجات ويؤثر على وظائفها الحيوية". خبرٌ ثقيل وقع على الأسرة، لكنه لم يكن الوحيد.

فقد كشفت الفحوصات أيضًا عن معاناة الطفلة من سوء تغذية، إضافة إلى وجود تجمعٍ للمياه في الرأس يستدعي تدخلًا جراحيًا لتصريفه. وتضيف الأم: "بسبب ذلك، لا تستطيع التحكم بحركة رأسها، وكل يوم أخشى أن تتدهور حالتها أكثر".

ولم تتوقف رحلة العلاج عند هذا الحد، إذ نُقلت آيسل مرارًا إلى مستشفى العيون لإجراء فحوصات متخصصة، على أمل أن يكون تأخر الاستجابة البصرية أمرًا مؤقتًا. غير أن النتائج كانت صادمة، إذ تبيّن أنها فاقدة للبصر.

في عمرٍ يفترض أن تبدأ فيه الرضيعة بالتعرّف إلى وجوه من حولها، تواجه آيسل عالمًا لا تراه، بينما ينهكها الألم المستمر. فبحسب والدتها، تبكي معظم ساعات النهار، ومع كل نوبة بكاء تشتد التشنجات وتتفاقم حالتها.

وتقول الأم: "لا تتوقف عن البكاء، وكلما اشتد بكاؤها زادت التشنجات، ولا أستطيع سوى حملها ومحاولة تهدئتها". كلمات تختصر عجز أم ترى ابنتها تتألم دون أن تملك وسيلة حقيقية لإنقاذها.

ورغم حصول الطفلة على تحويلة طبية، فإنها لا تزال بانتظار استكمال إجراءات العلاج، فيما تخضع حاليًا لجلسات علاج طبيعي للحفاظ على قدراتها الجسدية قدر الإمكان. إلا أن الطريق لا يزال شاقًا، إذ تؤكد والدتها أن كل نوبة تشنج تعيد حالة الطفلة إلى نقطة الصفر.

وتضيف: "كلما نحاول التقدم خطوة، تعيدنا التشنجات إلى البداية". وإلى جانب المعاناة الصحية، تواجه الأسرة ظروفًا معيشية قاسية، تزيد من ثقل الأزمة.

فالطفلة بحاجة إلى دواء أجنبي خاص لعلاج التشنجات، غير متوفر في الصيدليات نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة، فيما لم يُجدِ البديل المتاح نفعًا. وتوضح الأم: "دواؤها الأساسي غير موجود، والبديل لم ينفع معها".

كما تحتاج آيسل إلى نحو 400 شيكل شهريًا لتغطية تكاليف العلاج، عدا عن الحليب والحفاضات ومستلزمات الرعاية اليومية. في المقابل، يعاني والدها من البطالة، دون مصدر دخل ثابت، ما يجعل تأمين احتياجاتها معركة يومية إضافية.

وتختتم الأم حديثها بمرارة: "لا أريد من الدنيا سوى أن ترتاح ابنتي، وأن تحصل على علاجها، وأن يخف عنها هذا الألم"، قبل أن تتساءل: "إلى متى الانتظار؟ وكيف لطفلة أن تتحمل كل هذا الوجع؟".

وبين دعاء أم، وانتظار أسرة، وجسدٍ صغير يواجه ما يفوق احتماله، تبقى آيسل قصة رضِيعة تُقاوم الألم قبل أن تتعرف إلى معنى الحياة.

المصدر / فلسطين أون لاين