فلسطين أون لاين

تقرير رصاصة تُقعد الطالبة مرام مقاط.. وحلم الطب يقاوم الألم في خيمة النزوح

...
الجريحة مرام مقاط
غزة/ جمال غيث:

في غزة، قد يتحول الطريق إلى المدرسة في لحظة إلى طريقٍ نحو الألم الدائم. هكذا تبدلت حياة الطالبة مرام مقاط (17 عامًا)، التي كانت تمضي بثبات نحو حلمها في دراسة طب الأسنان، قبل أن تُصيبها رصاصة فجأة، لتتركها بشللٍ نصفي، وتضع مستقبلها على مفترق قاسٍ بين الألم والإصرار.

لم تكن مرام، الطالبة في الفرع العلمي من الثانوية العامة "التوجيهي"، تتوقع أن يومًا عاديًا في طريقها إلى المدرسة سيقودها إلى إصابة تغيّر مجرى حياتها بالكامل.

عرفت بتفوقها الدراسي، إذ حققت معدلًا بلغ 87% خلال سنواتها السابقة، وكانت تطمح لدراسة طب الأسنان. إلا أنها تعيش اليوم مع أسرتها في خيمة بمنطقة العطاطرة شمالي قطاع غزة، بعد تدمير منزلهم خلال الحرب، دون أن ينجح ذلك في إخماد طموحها أو إبعادها عن التعليم.

كانت مرام تقطع يوميًا، برفقة شقيقها التوأم محمود، مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات ذهابًا ومثلها إيابًا، للوصول إلى مدرسة تل الزعتر؛ طريق طويل ومحفوف بالمخاطر، لكنه كان بالنسبة لها خطوة ثابتة نحو المستقبل وسط الدمار.

رصاصة طائشة

تقول مرام لصحيفة "فلسطين" إن التعليم بالنسبة لها لم يكن خيارًا، بل ضرورة، وكانت تصر على الذهاب يوميًا رغم كل الظروف، حتى جاء يوم الخميس 16 نيسان/أبريل، الذي غيّر حياتها.

فبعد دقائق من عودتها إلى الخيمة، أُصيبت برصاصة أطلقتها دبابة إسرائيلية متمركزة على بعد عشرات الأمتار، دون إنذار أو سبب واضح.

وتروي، وهي ترقد على سريرها في مستشفى السرايا الميداني التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أن الألم بدأ في كتفها الأيمن قبل أن يمتد إلى العمود الفقري، لتفقد قدرتها على الحركة وتُصاب بشلل نصفي. سقطت أرضًا وسط ذهول عائلتها التي سارعت لإنقاذها.

نُقلت إلى نقطة طبية قريبة، ثم إلى مستشفى السرايا، حيث خضعت لعملية جراحية أُزيلت خلالها الرصاصة، مع تأكيد حاجتها إلى علاج طويل الأمد وتأهيل مكثف.

ذكرى مؤلمة

تمسك مرام بالرصاصة التي استُخرجت من جسدها، وتقول بصوت هادئ إنها ستحتفظ بها كذكرى مؤلمة، مضيفة: "نحن أبرياء، لم نرتكب أي ذنب، ومع ذلك ندفع هذا الثمن".

وتستعيد لحظة إصابتها قائلة إنها حاولت النهوض لكنها لم تستطع، فيما أصيب شقيقها محمود بصدمة شديدة، إذ ظن في البداية أنها تمزح قبل أن يرى الدماء ويبدأ بالصراخ طلبًا للمساعدة. وتصف تلك اللحظات بأنها الأصعب، حيث امتزج الخوف بالعجز والألم.

اليوم، تخشى مرام أن تتحول إصابتها إلى عائق دائم أمام حلمها، لكنها لم تتوقف عن المحاولة. يشير شقيقها محمود إلى حرصه على نقل الدروس إليها يوميًا لتعويض ما فاتها.

وتؤكد بإصرار: "رغم الإصابة، سأبقى على العهد، سأدرس وأحقق طموحي"، لكنها تناشد الجهات المعنية مساعدتها في السفر للعلاج بالخارج، أملاً في استعادة قدرتها على الحركة ومواصلة تعليمها.

وتلفت إلى محدودية الإمكانات الطبية في قطاع غزة، خاصة في ظل الدمار الواسع الذي طال القطاع الصحي، ما يزيد من صعوبة التعافي.

خطر دائم

إلى جانبها، تقف والدتها بعينين دامعتين، تراقب ابنتها التي تواجه الألم بصمت، بينما يحاول والدها عبد محمود مقاط (47 عامًا) بث الأمل في نفسها.

ويؤكد الأب أن إطلاق النار في المنطقة لم يتوقف، وأن السكان يعيشون في خطر دائم رغم تصنيفها "آمنة"، مشيرًا إلى أن العائلة فقدت منزلها ولم يتبقَّ لها سوى خيمة وسط التهديدات.

ويقول: "نعيش في خوف دائم على أبنائنا، وما حدث مع مرام دليل على حجم الخطر الذي نواجهه كل يوم".

تأتي إصابة مرام في ظل استمرار التوترات الميدانية رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد حرب استمرت لعامين.

وبحسب مصادر طبية، سُجلت آلاف الخروقات منذ بدء التهدئة، أسفرت عن سقوط مئات الضحايا وإصابة آلاف آخرين، في ظل تدهور إنساني وصحي مستمر.

وسط هذا الواقع، تبقى قصة مرام واحدة من آلاف القصص في غزة، لطلبة يتمسكون بحقهم في التعليم والحياة، رغم الإصابة، ورغم كل ما خلّفته الحرب من جراح.

المصدر / فلسطين أون لاين