أسهم رفع الغطاء العشائري، وحالات التبرؤ العائلي الواسعة من الأفراد المنخرطين في العصابات المتعاونة مع الاحتلال، في تشكيل سدٍّ مجتمعي متماسك عزل هذه المجموعات، وأفشل محاولات تقديمها بديلا عن المقاومة، على الرغم من الجهود المتواصلة لتسويقها داخليًا وخارجيًا.
وبات الإعلان عن التبرؤ العائلي يتكرر بشكل لافت، في خطوة تعكس حجم الرفض المجتمعي، ودفع ذلك بعض المنخرطين إلى إعلان "التوبة" والعودة إلى عائلاتهم، بعد تسوية أوضاعهم القانونية والعشائرية.
ورغم محاولات الاحتلال تقديم هذه العصابات تحت مسميات مختلفة، والإيحاء بوجود قبول شعبي لها، فإن هذه الرواية لم تنطلِ على المجتمع الفلسطيني، الذي أظهر تلاحمًا واضحًا في مواجهتها، كما حدث في هبّة مخيم المغازي في 6 أبريل/نيسان، لطرد تلك المجموعات.
كما عكست حالة الفرح الشعبي الواسعة عقب كمين أمن المقاومة في خان يونس، الذي استهدف عناصر من هذه العصابات، حجم الرفض والكراهية المجتمعية لها، إلى جانب الإشادة بتصدي الشقيقين فهمي وسائد قدوم لعناصرها شرق الشجاعية.
بارقة أمل
يؤكد عميد عائلة المدهون، د. محمد المدهون، أن التصدي الشعبي لهذه العصابات يتصاعد بشكل ملحوظ، وأن حالات التبرؤ العائلي تعكس نموذجًا وطنيًا لافتًا، رغم عمق الجراح التي خلّفتها الحرب.
القيادي في "حماس"، د. محمد المدهون
ويقول المدهون، وهو قيادي في حركة حماس، لـ "فلسطين أون لاين": إن هذه الحالة تمثل "بارقة الأمل الأكثر سطوعًا"، وتشير إلى أن الوعي الوطني لا يزال حاضرًا، وأن الحاضنة الشعبية تقف إلى جانب المقاومة، مستعدة لدفع الثمن في سبيل ذلك.
ويضيف أن مظاهر الفرح الشعبي عقب استهداف العصابات تؤكد حالة التلاحم بين المجتمع والمقاومة، وتفنّد رواية الاحتلال بشأن تراجع دورها أو فقدانها السيطرة.
اقرأ أيضًا: عشائر وقبائل غزة تجدد رفضها لمليشيات العملاء وتدين جرائمها
وفيما يتعلق برفع الغطاء العشائري، يوضح أن هذه الظاهرة آخذة في التصاعد، "حتى وصلت إلى حد تبرؤ الأب من ابنه المنخرط في هذه المجموعات"، معتبرًا ذلك دلالة على غيرة العائلات على الوطن والقضية، ومشددًا على ضرورة تكامل الجهود لإنهاء هذه الظاهرة، مع إمكانية منح فرصة أخيرة للتوبة.
رفض تاريخي
من جانبه، يرى الكاتب في الشأن السياسي والأمني أحمد عبد الرحمن، أن الرفض الشعبي لهذه العصابات ليس جديدًا، بل هو امتداد لمواقف تاريخية مشابهة، كما حدث مع "جيش لحد" في لبنان و"روابط القرى" في الضفة الغربية، حيث قوبلت تلك النماذج برفض مجتمعي واسع.
الكاتب في الشأن السياسي والأمني، أحمد عبد الرحمن
ويؤكد عبد الرحمن لـ"فلسطين أون لاين" أن العائلات نفسها تبرأت من أبنائها المنخرطين في هذه العصابات، ما يعكس رفضًا كاملًا لأي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال، متوقعًا أن "تُجتث هذه الظاهرة خلال الفترة المقبلة، ولن يكون لها تأثير على مسار النضال الشعبي".
ويرى أن محاولات الاحتلال التأثير على وعي المجتمع، عبر الترويج لهذه العصابات بمسميات مختلفة، باءت بالفشل، بفعل الوعي الشعبي الذي تجلّى في مواقف ميدانية، مثل هبّة المغازي، والتفاعل الشعبي مع عمليات استهداف تلك المجموعات.
أدوار جديدة
ويشير عبد الرحمن إلى أن تصاعد نشاط هذه العصابات يرتبط بأدوار جديدة أوكلها لها الاحتلال، في محاولة لإظهار فقدان السيطرة على الأرض، والتأثير على الرأي العام، وبث الخوف بين السكان، خاصة في المناطق القريبة من ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، تمهيدًا لفرض وقائع ميدانية جديدة.
اقرأ أيضًا: الشقيقان سائد وفهمي قدوم... مواجهة ملحمية مع عملاء الاحتلال
ورغم الدعم الذي تتلقاه هذه المجموعات، يؤكد أن الرفض الشعبي الواسع أسقط محاولات تسويقها، مشيرًا إلى أن التفاعل الشعبي مع استهدافها في خان يونس والمغازي والشجاعية يعكس موقفًا وطنيًا موحّدًا يعتبرها مجموعات عميلة تنفّذ أجندات معادية.
ويلفت إلى أن حجم الفرح الشعبي باستهداف هذه العصابات تجاوز في بعض الأحيان التفاعل مع استهداف قوات الاحتلال، ما يعكس مستوى الغضب الشعبي تجاهها.
ويخلص إلى أن فشل هذه العصابات في تقديم نفسها كبديل، يمثل إخفاقًا جديدًا لأجهزة استخبارات الاحتلال، التي أخفقت في فهم طبيعة المجتمع الفلسطيني.
كما يبرز دور العائلات والعشائر في عزل هذه المجموعات اجتماعيًا، حيث شكّلت مواقفها حاجزًا أخلاقيًا ووطنيًا، رغم ما تعرضت له من ضغوط وتهديدات، مؤكدة تمسكها بموقفها الرافض، وعدم تأثر صورتها بانخراط بعض أفرادها في تلك العصابات.