فلسطين أون لاين

أم تودّع ثلاثة شهداء فداءً لـ"فلسطين"

تقرير الشقيقان سائد وفهمي قدوم... مواجهة ملحمية مع عملاء الاحتلال

...
الشقيقان سائد وفهمي قدوم
غزة/ يحيى اليعقوبي

من خلف جدران متصدعة، تسللت مجموعة من العملاء المتعاونين مع الاحتلال إلى داخل مركز إيواء "اتحاد الكنائس"، المعروف باسم "مبنى الصناعة"، عند الثالثة والنصف فجر السبت. كانت الحاجة أم فهمي قدوم قد نزحت إليه مع ابنيها فهمي وسائد، وزوجتيهما وأطفالهما.

استيقظ سائد، وهو مصاب وبترت قدمه سابقًا، على أربعة أشخاص يرتدون ملابس عسكرية ويحملون مناظير ليلية، ويشهرون أسلحتهم باتجاهه، ويتحدثون بلهجة "بدوية". صاح أحدهم: "قم يا سائد"، وقد كانوا منذ لحظة دخولهم ينادون باسمه: "وين سائد؟"، في حين كانت تنتظرهم مجموعة أخرى خارج المركز.

لم يمهله أفراد المجموعة لطرح أي سؤال، كما تروي والدته، التي حاولت التصدي لهم، قائلة: "من أنتم؟ وكيف تدخلون علينا وزوجته نائمة؟"، إلا أنهم أبعدوها بالقوة، قبل أن يطلقوا الرصاص على بطنه أمام عينيها، في حين أصيبت طفلته، البالغة خمس سنوات، برصاصة في كف يدها، ما يهددها بخطر البتر. عندها صرخ سائد بأعلى صوته وسط الفوضى: "يا فهمي".

اشتباك داخل مركز الإيواء

من الطابق الأعلى، أطل فهمي، وفق روايات شهود عيان استمع إليهم "فلسطين أون لاين"، لا ليستوضح ما يجري، بل ليبدأ الاشتباك ببندقيته مع مجموعة العملاء داخل المركز وأخرى خارجه، في ملحمة خاضها منفردًا. كما واجه طائرات مسيّرة من نوع "كواد كابتر"، وتنقل بين الأزقة والشوارع في اشتباك عنيف، أسقط خلاله طائرتين.

وخلال الاشتباك، أصيب فهمي، الذي وصفه أفراد الميليشيا بـ"صاحب القلب الميت"، بعدما أبدى شجاعة كبيرة في المواجهة، ما أدى إلى وقوع عدد من القتلى في صفوفهم، يُرجّح أنهم نحو ثمانية، بحسب شهود عيان.

اقرأ أيضًا: "رادع" تنشر اعترافات لعميلين حاولا اغتيال مقاوم في غزة

تجلس الحاجة أم فهمي في بيت العزاء، بعينين محمرتين وقلبٍ يكتوي ألمًا على فقدان أبنائها الذكور، وتروي: "دخلوا علينا عند الثالثة والنصف فجرًا، وكانوا أربعة أشخاص يتحدثون بلهجة بدوية ويرتدون ملابس خضراء ومناظير. حاولت إيقافهم وسؤالهم عن هويتهم، لكن أحدهم دفعني وقال: ابعدي يا حجة، ثم طلب من سائد النهوض، وعندما سألته لماذا يريد أخذه، أطلق النار عليه، وأصاب كف يد طفلته".

وأضافت، واصفة ما جرى بأنه "أشبه بحرب": "بعدما بدأ ابني فهمي الاشتباك معهم وملاحقتهم في أثناء فرارهم، استشهد ثلاثة من أبنائي، كلهم فداء لفلسطين"، لتختم كلماتها بدموع غزيرة.

ويقف عمهم ناصر قدوم مستقبِلًا المعزّين والمهنئين بـ"عرس الشهادة". وعلى الرغم من تساقط الأمطار، امتلأ بيت العزاء، المقام قرب متنزه البلدية، بالحشود التي توافدت بأعداد كبيرة، في مشهد يعكس احتضان الجماهير للمقاومين واعتزازها بالملحمة التي سطرها الشقيقان سائد وفهمي، وقبلهما شقيقهما محمد، أحد أبرز وجوه "الشباب الثائر" في مسيرات العودة.

ويروي ناصر قدوم: "استيقظت صباح السبت على وقع اتصالات هاتفية، وأدركت أن هناك أمرًا جللًا. توجهت إلى المستشفى المعمداني، فوجدته مكتظًا بأبناء العائلة وجموع المشيعين. الجميع تحدث عن بطولتهم، وعن المواجهة مع ميليشيا ارتهنت للاحتلال. أبناء أخي من خيرة شباب الشجاعية، وكانوا دائمًا سبّاقين في مساندة الآخرين".

ويصف أبناء شقيقه بـ"الأبطال" الذين لبّوا نداء الوطن، وكانوا حراسًا لحيهم، ومنعوا تسلل العملاء. ويضيف: "خلال الاشتباك، أصيب فهمي في يده، فتوجه إلى والدته وطلب منها أن تربط جرحه بعلم فلسطين، ثم عاد للاشتباك لتأمين خروج العائلة إلى مركز مدرسة "دير اللاتين"، فيما كان سائد يشتبك أيضًا رغم نزفه وإصابته الخطيرة".

علم فلسطين يضمد الجرح

ويتابع: "بعد إخراج العائلة، عاد فهمي وحمل شقيقه إلى مكان آمن يبعد نحو 150 مترًا، وسلّمه لبعض الشبان، ثم عاد لملاحقة العملاء والاشتباك مع الطائرات المسيّرة. وخلال محاولته الانسحاب عبر أحد الأزقة، أُلقيت عليه قنبلة أدت إلى استشهاده".

واستمر الاشتباك نحو ثلاث ساعات، وانتهى باستشهاد الشقيقين سائد وفهمي، ومقتل عدد من أفراد الميليشيا، وسط غطاء جوي من طيران الاحتلال لتأمين انسحابهم، في ملحمة بطولية سطّرها أبناء آل قدوم بدمائهم.

اقرأ أيضًا: أبو عبيدة يتوعد العملاء المستعربين.. ويؤكد: المصير الأسود بات قريباً

وكان فهمي (40 عامًا) أبًا لستة أبناء، بينهم ولدان، وقد أُصيب قبل أشهر برصاصة من طائرة "كواد كابتر" في رأسه وفكه، وخضع لعلاج طويل. كما أُصيب سابقًا خلال اجتياح عام 2001، حين قُطعت أوتار يده وهو في سن مبكرة.

أما شقيقه سائد (35 عامًا)، فلديه ثلاثة أطفال، وكان قد أُصيب في اليوم ذاته الذي استُشهد فيه شقيقهم محمد (33 عامًا) في سبتمبر/ أيلول 2023، خلال فعاليات الإرباك شرق غزة، حين انفجر جسم متفجر وسط الثائرين، ما أدى إلى استشهاد خمسة شبان.

وكان محمد قدوم قد أُصيب نحو 12 مرة برصاص الاحتلال خلال مشاركته في مسيرات العودة وكسر الحصار، ورغم خطورة بعض إصاباته، كان يعود إلى الميدان، متكئًا أحيانًا على عكاز، ليقود "الشباب الثائر" بشجاعة وإصرار.

5935880610121452617.jpg

ثلاثة أشقاء، اتسعت قلوبهم لحب فلسطين، ورسموا بدمائهم طريقًا نحو الشهادة. ورغم فقدان البيت والنزوح والتشرد، ظلوا أوفياء لقضيتهم، حتى ارتقوا وهم يخوضون واحدة من أعنف المواجهات في حي الشجاعية.

المصدر / فلسطين أون لاين