فلسطين أون لاين

العودة إلى إسلام آباد وخيارات الحرب والسلام

مابين وعيد وتهديد وموت ودمار واقتصاد على حافة الانهيار ونيران تستعر في كل مكان وتهدد كل البلدان ولدت هدنه مهددة بالاحتراق بأطماع وتجبر مجرمي ابستين لنعيش ما يسمى (استراحة مقاتل ) ايام يلتقط فيها الجميع أنفاسهم، يعيدون ترتيب صفوفهم، أوراقهم ، ثم فجأة عادت الوفود خالية الوفاض، وما عجزت أمريكا عن تحقيقه في مفاوضاتها السابقة، وما فشلت في فرضه بنيران حربها، لم تحصل عليه هذه المرة بتوسط إسلام آباد . إيران لم تخضع. لم ترتجف. لم ترفض السلام ولكن لم ترضخ لأطماع ترامب ، واشنطن تلوح بالحصار بعد ان كانت تتوعد بـإبادة حضارة كاملة ثم تعود إلى الطاولة ، فما الذي دفعها إلى كل هذا التراجع؟

لم يكن قرار العودة إلى إسلام آباد وليد لحظة كرم دبلوماسي. كان اعترافاً صريحاً بانكسار خيار الحصار العسكري. فعندما هدد ترامب بمحاصرة إيران بحرياً، كان يتصور أن التهديد وحده سيجعل طهران تتراجع. لكنه اصطدم بحقيقة أن فرض الحصار على مضيق هرمز سيؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. فكيف تحاصر دولة تمتلك القدرة على إغراق المضيق بالألغام والصواريخ في دقائق؟ وكيف تؤمن ممرات الملاحة وأنت تخشى على حاملاتك في باب المندب؟

الأهم أن الحصار، لو فُرض، سيكون أمريكا أول الخاسرين فيه: أسطولها سيتعرض لخسائر فادحة، وحلفاؤها سيدفعون فاتورة الطاقة الباهظة، وهيبتها ستتحطم أمام العالم حين تفشل في تأمين ممر مائي ضيق. إن *تهديد ترامب بالحصار لم يكن ورقة قوة، بل كشف عن ضعف استراتيجي عميق: فهو يهدد بشيء لا يستطيع تنفيذه، وإذا نفذه سيكون أول من يحترق بناره* ، فترامب يدرك ان انصار الله في اليمن لن يقفوا مكتوفي الأيدي إذا ما نفذ تهديده ، ففي خطوة وصفت بأنها "إقرار رسمي" بصعوبة الميدان، اختارت حاملة الطائرات "جورج بوش" ومجموعتها القتالية مساراً جديداً يجنبها العبور من مضيق باب المندب، مفضلة الدوران حول قارة أفريقيا. القرار لم يكن لوجستياً، بل أمنياً بامتياز: الخوف من استهداف الحاملة بصواريخ يمنية.

هذا الانسحاب التكتيكي هو أكبر اعتراف أمريكي بأن اليمن تحول إلى "منطقة محرمة" على القطع العسكرية الضخمة. وإذا كانت أمريكا تهرّب حاملاتها من باب المندب، فكيف ستفرض حصاراً على إيران في هرمز؟ وباب المندب وحده كان كافياً ليرعب البنتاغون، فكيف إذا انضمت إليه جبهة اليمن بالكامل، وأغلقت المضيق، وضربت البوارج والسفن الأمريكية في البحر الأحمر والخليج؟

أمريكا دخلت الحرب لتحقيق أهدافها بالسيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة، عن طريق إسقاط النظام الإيراني، والاستيلاء على اليورانيوم المخصب والقضاء على البرنامج الصاروخي الايراني وقد فشلت في تحقيق اي من أهدافها بفضل الصمود الإيراني* وما تملكه من معادلات الردع التي مكنت ايران من فرض شروطها على اقوى قوة في العالم ، مستفيدة من مخزونها الصاروخي وطائراتها المسيرة وتضامن .شعبها مع حكومته في الشوارع والساحات مذروع بشرية لحماية محطات الطاقة والجسور والمنشات المدنية في ظاهرة لا يدرك أغوارها إلا من آمن بالموت حياة والعيش مع الظالمين برما ، بينما الصهاينة كلهم – بما فيهم حكومتهم – لجأوا إلى الملاجئ. هذه الصورة وحدها جعلت ترامب يتراجع عن شرط إسقاط النظام، وأدرك أن جبهة الشارع الإيراني كانت عاملاً حاسماً في ميزان الحرب. إن الشعب الذي يقف مع حكومته تحت القصف هو شعب لا يُهزم، ونظام يستند إلى مثل هذا الشعب هو نظام لا يُسقط.

وفي واشنطن، المشهد لا يقل دموية. فشل مفاوضات إسلام آباد فتح ملف عزل ترامب من جديد. النائب جيمي راسكين طالب بتقييم "معرفي وعصبي" شامل للرئيس، مؤكداً أن سلوكياته المتخبطة منذ بدء الحرب تثير رعباً حقيقياً حول أهليته لاتخاذ قرارات السلم والحرب. وآلاف الاتصالات الغاضبة اجتاحت الكونغرس تطالب بتفعيل التعديل 25 أو بدء إجراءات العزل. المواطن الأمريكي بات يتساءل: كيف نأتمن رئيساً يهدد بإبادة حضارات، بينما يفشل في تأمين ممر ملاحي واحد؟ والأخطر أن بعض الجمهوريين بدأوا يتململون من سياسات ترامب "الانتحارية"، ويرون أن التفاوض من أجل إنقاذ الصورة دون نتائج أضعف هيبة أمريكا وجعلها رهينة لردود الأفعال الإيرانية. ترامب اليوم بين مطرقة الفشل في إخضاع طهران وسندان التقرير الطبي الذي قد ينهي مستقبله السياسي. هذه العوامل مجتمعة هي ما دفعته إلى العودة صاغرا إلى إسلام آباد، بحثاً عن مخرج دبلوماسي يحفظ ما تبقى من هيبته.

هناك أيضاً ما لا يقال علناً: النفط المسروق. ترامب يقول "نحن لا نستفيد من مضيق هرمز"، فلماذا إذن شكل المضيق عقدة كبرى له؟ لأن ما تسرقه أمريكا من نفط الخليج "تحت العباءة" يفوق المعلن. أسعار الطاقة في أمريكا ارتفعت رغم أن استخراجاتها المحلية لم تضرب. السوق المحلية كانت تتزود بالنفط والغاز والبنزين المسروق، وهذا ما لا يستطيع ترامب الإعلان عنه. فالحصار يهدد هذا النفط المسروق، ولعل هو عقدة أمريكا الحقيقية.

و مع احتمال عودة المفوضات فما هي السيناريوهات المحتملة؟

السيناريو الأول والأكثر ترجيحاً هو فشل المفاوضات والانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة. إيران لن تتنازل عن أوراقها الرابحة، وأمريكا لا تستطيع تقديم تنازلات كاملة أمام حلفائها. في هذا السيناريو، ستغلق إيران مضيق هرمز جزئياً كرسالة ضغط، وستحاول أمريكا فرض حصار رمزي يفشل سريعاً، وسيغلق اليمن باب المندب، وستواصل البحرية الأمريكية الدوران حول أفريقيا هرباً من الصواريخ اليمنية. أسعار النفط ستقفز إلى 180-220 دولاراً للبرميل، وستكون هناك مناوشات يومية في هرمز وباب المندب، دون انزلاق إلى حرب شاملة. هذا السيناريو قد يستمر شهوراً، يستنزف الجميع، ولا يحقق لأمريكا شيئاً مما تريد ، أوروبا، التي لم تدخل الحرب لأنها تدرك خطورتها، ستكون أول الضحايا مع انهيار اقتصاداتها جراء ارتفاع أسعار الطاقة.

السيناريو الثاني هو اتفاق مؤقت هش، لا يحل الأزمة لكن يؤجلها. قد تخرج المفاوضات بتجميد إيران لأنشطتها النووية الأكثر حساسية مقابل رفع بعض العقوبات، وتثبيت معادلة في هرمز تقوم على لا حصار أمريكي ولا غلق إيراني، مع بقاء اليمن خارج الاتفاق كورقة ضغط بيد إيران. في هذه الحالة، سيعلن ترامب انتصاراً واهياً لاستخدامه في حملته الانتخابية، وستشعر إسرائيل بالخذلان وقد تتحرك منفردة، وستخرج إيران كالطرف الرابح الأكبر، وستتراجع أسعار النفط لكنها تبقى أعلى من سابقها. ولكن السؤال: كم سيعمر هذا الاتفاق؟ إسرائيل لن تقبل به صامتة، وقد تعمل على تفجيره من الداخل.

السيناريو الثالث هو الحرب المدمرة الشاملة، وهو أقل احتمالاً لكنه لم يعد مستحيلاً. إذا فشلت المفاوضات تماماً، وإذا شعر ترامب أن خياراته تضيق داخلياً مع تصاعد ملف العزل، فقد يلجأ إلى مغامرة عسكرية يائسة ، ضربات جوية على المنشآت النووية والنفطية الإيرانية، وسترد إيران بإغراق هرمز بالألغام واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وضرب العمق الاسرائيلي وربما ضرب مفاعل ديمونة وسيدخل اليمن الحرب ليغلق باب المندب ويستهدف البوارج الأمريكية في البحر الأحمر، وسيضرب حزب الله إسرائيل بآلاف الصواريخ الدقيقة. إسرائيل، التي فشلت في السيطرة على بنت جبيل، ستجد نفسها في حرب شاملة على جبهتين. أسعار النفط ستتجاوز 300 دولار، والاقتصاد العالمي سينهار، والبورصات ستغلق، وخطوط الطيران ستتوقف.

في هذا السيناريو، ستكون الخسائر فادحة من جميع الأطراف، لكن الأكيد أن أمريكا وإسرائيل ستخسران أكثر مما ستربحان، لأن الحرب على جبهات متعددة ليست كالحرب على جبهة واحدة.

أما السيناريو الرابع، فهو الظل النووي، الأبعد احتمالاً لكنه لم يعد خارج دائرة الممكن. إذا وصلت الحرب إلى طريق مسدود، وإذا شعرت إسرائيل بتهديد وجودي حقيقي - خصوصاً بعد فشلها في بنت جبيل واهتزاز صورة جيشها - فقد تلجأ إلى ضربة نووية تكتيكية محدودة ضد حزب الله في لبنان، لتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت وقتل قيادات الحزب في لحظة واحدة، وتوجيه رسالة لإيران: "هذا ما سيحدث لكم". و قد ترد إيران، إذا كانت قد طورت السلاح النووي في السر، بضربة على قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات حيث تتمركز طائرات F-35 الأمريكية. أي ضربة نووية، مهما كانت "تكتيكية"، ستقتل مدنيين بالآلاف، وستصدم العالم، وستنهي "العصر النووي المحظور"، وستفتح الباب على مصراعيه لانتشار السلاح النووي في السعودية وتركيا ومصر وكوريا الجنوبية واليابان. العالم سيصبح مكاناً أكثر خطورة بعشر مرات مما كان عليه، وستكون المنطقة كلها على حافة الهاوية الدائمة.

ثمة سيناريو خامس، لا يتحدث عنه كثيرون، لكنه يلوح في الأفق: انهيار الداخل الأمريكي قبل انهيار أي جبهة خارجية. فملف العزل يتصاعد، والشارع الأمريكي غاضب، والجمهوريون يتململون، والديمقراطيون يضغطون. ترامب قد يسقط سياسياً قبل أن يسقط أي نظام في طهران أو بيروت أو صنعاء. وإذا حدث ذلك، فستكون أمريكا في أزمة دستورية وقيادية في ذروة حرب إقليمية – وهو سيناريو كارثي حتى قبل الحديث عن الصواريخ والنفط.

الخاتمة

واشنطن عادت إلى إسلام آباد صاغرة، بعد أن انكسر خيار الحصار – ذلك الحصار الذي كان ترامب يظنه سلاحاً ساحقاً لكنه تبين أنه سيف على رقبة أمريكا أولاً – وبعد أن فشلت الحرب في تحقيق أهدافها، وتهددها أزمة عزل غير مسبوقة في الداخل. أمريكا تبحث عن مخرج، وإيران تتفاوض من موقع قوة، واليمن ينتظر في الظل، وإسرائيل ترتجف من كل الاحتمالات.

لقد أثبتت الأشهر الماضية حقائق جديدة لا يمكن تجاهلها: مضيق هرمز لم يعد ممراً مائياً يمكن لأمريكا التحكم فيه، وباب المندب تحول إلى ساحة يمنية تخشاها حاملات الطائرات، والشعب الإيراني وقف سداً منيعاً أمام مشروع الإسقاط، وإسرائيل اكتشفت أن بنت جبيل ما زالت عصية على جيشها بعد كل هذه السنين. والأهم من كل هذا: أمريكا التي راهنت على القوة المطلقة، اكتشفت أن للمنطقة رجالها وحلفاءها وصواريخها وإرادتها.

العالم كله يقف الآن على أطراف أصابعه، ينتظر. فإما سلام هش قد لا يعمر طويلاً، وإما حرب استنزاف طويلة تستنزف الجميع ولا تنتصر فيها أي جهة، وإما حرب مدمرة شاملة قد لا تتوقف عند عتبة النووي. في كل الأحوال، المنطقة لن تعود كما كانت، وأمريكا لن تعود كما كانت، وإسرائيل لن تعود كما كانت. لقد تغيرت موازين القوى، وانكشفت الأوهام، وظهر أن الصمود – صمود الشعوب والجيوش والحلفاء – هو السلاح الأقوى في معركة لا تعرف الحسم السريع.

ربما كان الدرس الأهم الذي خرجت به هذه الجولة أن من يمتلك الإرادة أولاً، ثم الجغرافيا ثانياً، ثم الحلفاء ثالثاً، ثم الشعب رابعاً، قادر على تغيير موازين القوى مهما بدا الخصم قوياً. استراحة المقاتل لن تطول، فالميدان لا يحتمل الانتظار طويلاً، وعندما تنتهي هذه الاستراحة، سنعرف جميعاً من كان يخطط ومن كان يدافع عن وجوده، ومن رفع راية النصر ومن حمل راية الهزيمة. ولكن مهما كانت النتيجة، فالمؤكد أن الدماء والأموال والهيبة التي خسرتها أمريكا في هذه الحرب لن تعوض، وأن إيران التي راهنوا على إسقاطها خرجت منها أقوى مما دخلت. وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل تعلمت أمريكا الدرس، أم أنها ستعاود الكرة؟ والأكيد أن المنطقة كلها تتمنى ألا تعاود، لأن الحرب القادمة، إن وقعت، لن تشبه أي حرب رأيناها من قبل. وقد تكون الأخيرة.

المصدر / فلسطين أون لاين