على أثر إعادة فتح المسجد الأقصى المبارك، صعدت أذرع الاحتلال من انتهاكاتها بحق المسجد، ابتداءً بالاقتحامات شبه اليومية، مرورًا بأداء الطقوس اليهوديّة العلنية، ووصولًا إلى مشاركة شخصيات دينية وسياسية في هذه الاقتحامات، فقد اقتحم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير الأقصى في اليوم الثامن والثلاثين من الإغلاق، ونشرت منصات تابعة له صورته داخل الأقصى، ومن ثم شارك في الاقتحام بعيد إعادة فتح باب الأقصى، وهو ما يعكس تطورًا خطيرًا، فهو أحد أوجه العدوان الممنهج على المسجد الأقصى، مع ما تشهده هذه الاقتحامات من أداءٍ للطقوس اليهوديّة العلنية، فقد نشرت المنصات العبرية أداء بن غفير في اقتحامه الأخير لهذه الطقوس عند البائكة الغربية قرب مصلى قبة الصخرة، والأمر نفسه مع الحاخام المتطرف إيال تسينوف، الذي تقدم مجموعات المستوطنين، وأدى طقوسًا علنية على الدرجات المؤدية إلى قبة الصخرة، وهو المكان نفسه الذي أدى عنده بن غفير الطقوس العلنية قبله بأيام، ولا شك أن التركيز على هذا المكان، جزء من سعي أذرع الاحتلال إلى نقل الطقوس العلنية إلى أرجاء الأقصى كافة.
ولا يُعدّ هذا الاقتحام هو الأول لأحد حاخامات الاحتلال، إلا أن الاقتحام جزء من محاولات أوسع لترسيخ الوجود اليهودي في الأقصى من جهة، وإضفاء ما يُمكن أن نسميه المشروعية الدينية، من خلال مشاركة الحاخامات وقيادتهم لأداء الطقوس العلنية. ومن جهة أخرى تشكل مشاركاتهم جزءًا من سعي الاحتلال تحويل الأقصى من مقدسٍ إسلاميٍّ خالص إلى "مقدس مشترك"، وهم بذلك يسعون إلى القفز فوق مرحلة "التقسيم الزماني والمكاني" للوصول إلى التأسيس الفعلي لـ "المعبد"، على أثر ما استطاعوا تحقيقه من نقل الطقوس العلنية ضمن ما يُعرف بـ"التأسيس المعنوي للمعبد".
الحاخامات.. وإنشاء المنظمات المتطرفة
وفي سياق مشاركات الحاخامات في اقتحام المسجد الأقصى، فقد أدى الحاخامات تاريخيًا دورًا بارزًا في إنشاء المنظمات المتطرفة، القائمة على العدوان على المسجد، والتي تسهم في التحريض على الاقتحامات وما يتصل بها من عدوان على المسجد ومكوناته البشرية، ولم يكن هذا الدور مرتبطًا بالمنظمات الحالية فقط، بل ارتبط بالجذور الفكرية لهذه المنظمات، إذ تعود هذه الجذور إلى جماعة "بريت هاشاشونيم"، التي أسسها الحاخام موشيه تسفي سيغال عام 1937. وتُشير المصادر إلى ارتباط العديد من منظمات المعبد بمنظمة "غوش إيمونيم" الاستيطانية، التي تأسست بعد احتلال القدس عام 1967، وأسسها الحاخام موشي ليفنجر، وبعد إيقاف المنظمة في عام 1984، وبقيت أفكارها ماثلة في مجلس "بيشع"، الذي كان يضم المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة حينها، وحركة "شبيبة التلال" التي تأسست على إثر انسحاب الاحتلال من قطاع غزة.
وعلى أثر هذه الأدوار الكبيرة في دعم الاستيطان، وإنشاء المنظمات الرامية إلى فرض الحضور الاستيطاني في المناطق الفلسطينية المحتلة، فقد حملت العديد من الأحزاب داخل الكيان أفكار هذه المنظمات المتطرفة، على غرار حزب "البيت اليهودي"، وكانت أولى المؤسسات المتخصصة في تأسيس "معهد المعبد"، الذي أسسه الحاخام يسرائيل أرييل. وتُشير المصادر العبرية إلى أن معظم مسؤولي "منظمات المعبد" من حاخامات الإشكناز الأرثوذكس، ضمن ما يُعرف بالتيار "الصهيوني الديني"، ومن أبرز هؤلاء الحاخام حاييم ريشمان، مدير الإدارة الدولية لـ "معهد المعبد"، إضافةً إلى الحاخاميْن المتطرفيْن يهودا عتصيون، ويهودا جليك، وغيرهما.
برلمان حاخامي يسعى إلى بناء للمعبد
مع تصاعد أجندات "المعبد" لدى الاحتلال، أعاد 71 زعيمًا دينيًا يهوديًا في 13/10/2004 تأسيس "السنهدرين"، وهو أحد المجالس المرتبطة بالتاريخ اليهودي، وكان يشكل مظلة سياسية ودينيّة وقضائية، ومع غياب أي صلاحيات للنظر في القضايا السياسية أو الدينيّة، فإن المجلس الجديد يعرّف نفسه بأنه "البرلمان اليهوديّ الحاخاميّ"، ويركز جهوده على تحديد موقع قدس الأقداس، وإعادة العبادات اليهوديّة وطقوسهم إلى المعبد، وخاصة تقديم القرابين الحيوانيّة، والبحث عن حيوانات تطالق شروط القربان، ويُسهم المجلس في تدريب المستوطنين على هذه الطقوس، وإحياء طبقة كهنة "المعبد".
ويعدّ بعض الباحثين أن "السنهدرين" الجديد أصبح المرجعية الحاخامية للمنظمات المتطرفة، فهو يمثل تجمعًا لما يُعرف بـ"الصهيونية الدينية"، إلى جانب عمله الحثيث لدعم أطروحات "منظمات المعبد"، ومن أعماله مشاركة حاخاماته في اقتحام الأقصى، وإرسال رسائل إلى قيادات الاحتلال لإقامة "المعبد"، وصولًا إلى صنع الأدوات الخاصة بالطقوس اليهودية ومن بينها ما حصل في 9/9/2022 حين أعلن قيادي في "السنهدرين" الجديد، أنهم أنهوا صنع "بوق الشوفار" يطابق الشروط التوراتيّة.
"السنهدرين" يجيز اقتحام الأقصى
من أبرز القضايا التي يعمل عليها "السنهدرين" الجديد، تغيير الفتوى الحاخامية الرسمية، فما زالت المرجعية الحاخامية الرسمية تحظر على المستوطنين المشاركة في اقتحام الأقصى، لغياب شرط التطهر، ولاعتبارات دينيّة أخرى، لذلك تحشد "الصهيونية الدينيّة" عددًا كبيرًا من الحاخامات غير التقليديين ومن غير الأرثوذكس، لتحقيق اختراق في الفتوى الرسمية الدينية، وإقرار رأي دينيّ يسمح باقتحام الأقصى من جهة، ومن جهة أخرى تعمل على تحقيق شروط الطهارة عبر طقوس "البقرة الحمراء".
ويجدد "السنهدرين" كل مدة الفتاوى المتعلقة بجواز اقتحام الأقصى، ومن أواخر ما نشرته "منظمات المعبد" رسالة تؤكد إباحة اقتحام المسجد الأقصى في 9/7/2020، وتضمنت الرسالة توقيعات لنحو 60 حاخامًا، تُجيز استباحة الأقصى وتحثّ على اقتحامه، وكان من بين الموقعين عليها الحاخام ناحوم رابينوفيتش، رئيس مدرسة بركات موسى الدينية الاستيطانية في مستوطنة "معاليه أدوميم"، ووقعها عددٌ من تلاميذ الحاخام زفي كوك، والحاخام يسرائيل أريئيل، والحاخام إليعازر والدمان، وغيرهم.
وشهد عام 2024 تطورًا لافتًا تمثل بمحاولة "منظمات المعبد" الوصول إلى رأس هرم الحاخامية الرسمية، والدفع بأعضاء مركزيين ليصبحوا أعضاء في المجالس الحاخامية الرسمية العليا، فقد عملت على ترشيح الحاخامين مائير كاهانا مرشحًا للحاخامية الأشكينازية، ويهودا حايك مرشحًا للحاخامية السفاردية، ولكن نتائج الانتخابات أظهرت فشل وصولهما إلى المنصب، مع وجود إشارات إلى وجود عضو أو أكثر يميل إلى رأي "السنهدرين" ويدعم اقتحامات الأقصى قبل تحقيق الطهارة.
أخيرًا، لا شك بأن تصاعد المشاركة الرسمية من جهة، ومشاركة الحاخامات من جهة أخرى في اقتحامات الأقصى، وارتباط هذه المشاركات في تاريخ طويل من العدوان على الأقصى، وتشجيع شرائح المستوطنين المختلفة على اقتحام المسجد الأقصى وتدنيسه، هي بالحقيقة جزءٌ من مخطط أوسع لجذب المزيد من المستوطنين للمشاركة في هذه الاقتحامات، وتصعيد العدوان على الأقصى، وإظهار الاقتحام وما يرافقه من عدوان على أنه ضرورة يجب على المستوطنين المشاركة فيها، للوصول إلى أهداف أذرع الكيان الكبرى، المرتبطة بإقامة "المعبد"، وهو ما يُمكن أن يُشير إلى معادلة يسعى الاحتلال إلى ترسيخها بعد إعادة فتح الأقصى، والمتمثلة بأولوية الحضور اليهودي، وتعزيزه بمختلف الوسائل الممكنة.

