تسعى سلطات الاحتلال إلى استهداف مقومات صمود المجتمع الفلسطيني في القدس المحتلة، من خلال العديد من السياسات التي تستهدف قطاعات المجتمع المختلفة، وخاصة تلك السياسات الرامية إلى إفقاره وإضعاف قدرته على الاستمرار، وإجباره على الارتباط بالاحتلال ومؤسساته، في سياق ربطه بصورةٍ متزايدة بمنظومات الاحتلال الاقتصادية والاجتماعية. ونسلط الضوء في هذا المقال على تطورات الواقع الاقتصادي في المدينة المحتلة، وأبرز الصعوبات التي تواجه المجتمع الفلسطيني في المدينة.
تصاعد نسب الفقر في المدينة المحتلة
كشف المؤشرات الاقتصادية في القدس المحتلة عن تصاعد آثار السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إفقار المجتمع الفلسطيني وربطه بمنظومات الاحتلال الاقتصادية والاجتماعية، ويُقدّم "كتاب القدس الإحصائي السنوي 2025"، الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، صورةً للواقع الاقتصادي والاجتماعي في المدينة المحتلة، وآثار سياسات الاحتلال التي تُعيق التنمية وتفرض قيودًا ممنهجة على الفلسطينيين في مختلف القطاعات، وبحسب معطيات الجهاز تعيش نحو 77% من الأسر المقدسية تحت خط الفقر، وأشارت إلى أن هذه البيانات استنادًا على تصنيفات رسمية تصدرها سلطات الاحتلال.
وتُشير المعطيات إلى أن الحياة الكريمة في القدس المحتلة تتطلب دخلًا يوازي 3 آلاف دولار أمريكي، بينما يعمل جلّ المقدسيين برواتب قريبة من الحد الأدنى للأجور، وبسبب غلاء المعيشة والارتفاع غير المسبوق للإيجارات، يضطر العديد من المقدسيين إلى الاستدانة، فتتراكم عليهم الديون، أو لا يستطيعون دفع الضرائب التي تفرضها عليهم دوائر الاحتلال.
تدهور القطاع السياحي المقدسي
ومن أبرز القطاعات المتضررة في القدس المحتلة وهو القطاع السياحي، بما يشمل المهن المرتبطة بالسياحة، على غرار بيع المنتجات التراثية والتحف، وما يتصل بالمشاريع الخدمية على غرار الفنادق والمطاعم وغيرها. وتضررت هذه القطاعات بفعل اعتداءات الاحتلال المتصاعدة، والإجراءات المشددة التي تفرضها في البلدة القديمة، والحروب التي شنها الكيان ابتداءً بحرب الإبادة على غزة، مرورًا بالحرب على لبنان وأخيرًا على إيران، والتي فرضت خلالها سلطات الاحتلال إجراءات أمنية مشددة امتدت لنحو 40 يومًا.
وفي تصريحات سابقة لأمين سر الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس حجازي الرشق تعود إلى عام 2024، كشف خلالها أن القطاع السياحي في المدينة المحتلة يشكل نحو 34 في المئة من مجمل القطاع التجاري المقدسي، وقد أصيب بشللٍ شبه كامل بسبب توقف السياحة، وهو ما أثر على أكثر من 1150 مقدسيًا يعملون في القطاع، وينقسمون ما بين أصحاب المحال التجارية والعاملين فيها. ويُشير الرشق إلى أن توقف السياح إبان الحروب المتتالية، أثر على نحو 462 متجرًا متخصصًا ببيع التحف الشرقية في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، ويضيف الرشق بأن 9% في المئة فقط من القطاع التجاري استطاع الاستمرار.
وإضافةً إلى آثار القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على الفلسطينيين آنفة الذكر، والتي تؤثر في مردود العوائد من قطاع السياحة، تشكل حصة الفلسطينيين من عائدات السياحة بشكلٍ عام، نحو 10% فقط من مجمل عائدات القطاع في المدينة المحتلة، حيث تهيمن عليه الشركات السياحيّة الإسرائيلية، والتي تقوم بدورها بإبعاد السياح عن المناطق الفلسطينية ومؤسساتهم، حيث تروّج روايات تشكك في موثوقية المحال الفلسطينية وجودة بضائعها، وهو ما يُبعد هؤلاء السياح عن الأحياء الفلسطينية.
خنق المشاريع الفلسطينية، وتراجع التمويل في القدس
ولا يقتصر التدهور الاقتصادي على تراجع المداخيل فقط، حيث تؤثر عليه جملة من العوامل الميدانية والقانونية، التي تقف خلفها سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة، حيث تُشير مصادر فلسطينية إلى أن 80% من المشاريع الفلسطينية في القدس المحتلة تواجه صعوبات قانونية وإدارية، تتعلق بالحصول على تراخيص من بلدية الاحتلال، والتي تقوم بدورها بالضغط على المؤسسات الفلسطينية، من خلال الغرامات المتكررة، وسحب التراخيص، أو القرارات المرتبطة بأوقات إدخال وإخراج البضائع، وما يتصل بممارسات استفزازية شبه يومية تقوم بها عناصر الاحتلال الأمنية، أو المستوطنون.
ومن أخطر المؤشرات الخاصة بالمؤسسات الفلسطينية في القدس، تراجع تمويل المشاريع التنموية، إذ تواجه هذه المشاريع خللًا في التمويل، فقد انخفض حجم التمويل المخصص لها في القدس المحتلة بنسبة 30% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، وهو ما يعني أنها ستشهد المزيد من التراجع في عام 2025، على أثر استهداف المؤسسات الدولية، والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال، ويعكس هذا التراجع خللًا في موقع القدس على أجندة المانحين والمشاريع الوطنية.
الضرائب أداة سيطرة وإخضاع
وتوظف سلطات الاحتلال الضرائب أداة لحصار المقدسيين، والإسهام في إفقارهم، بهدف دفعهم إلى مغادرة المدينة المحتلة، وشهدت أشهر الرصد عددًا من التطورات المتصلة، ففي 5/11/2025 كشفت صحف عبرية أن وزارة مالية الكيان قررت إعادة العمل بضريبة الأملاك اعتبارًا من عام 2026، بعد إلغائها منذ أكثر من 25 عامًا، ويهدف القرار إلى زيادة الإيرادات بنحو 8 مليارات شيكل سنويًا (نحو 2.6 مليار دولار أمريكي)، وبحسب المعطيات المتوافرة سيتعيّن على من يملك أرضًا مخصّصة للبناء ولا يستغلها، دفع ضريبة سنوية بنسبة 1.5% من قيمتها، ومن شأن هذا القرار أن يفاقم الأعباء الواقعة على المقدسيين، الذين يعانون أساسًا ترديًا اقتصاديًّا حادًّا، إلى جانب القيود التي تفرضها عليهم سلطات الاحتلال، إذ لا تسمح لهم بالبناء، وهذا ما يجعل تطبيق القانون مع المقدسيين استنسابيًا، ويؤدي إلى المزيد من المعاناة.
وفي سياق متصل بالضرائب، كشفت مصادر عبرية في 17/12/2025 أن بلدية الاحتلال طلبت من وزيري الداخلية والمالية في حكومة الكيان، إجراء تعديلات على ضريبة المسقوفات "الأرنونا"، وتسعى بلدية الاحتلال إلى رفع الضرائب العقارية في المدينة المحتلة بنحو 40% عما كانت تجبيه سابقًا. وفي تفاصيل الطلب، تتوجه بلدية الاحتلال إلى رفع ضريبة "الأرنونا" تدريجيًا على 14 حيًّا فلسطينيًا، وإلغاء التدرّج في الجباية، وهذا ما يعني توحيد الضريبة، من دون النظر إلى الفوارق الهائلة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي أو الخدمات المقدمة في الأحياء الفلسطينية.
وفي المحصلة، تكشف المؤشرات الاقتصادية في القدس المحتلة أن التدهور الاقتصادي، يرتبط بشكلٍ مباشر بسياسات الكيان الممنهجة، التي تستهدف إضعاف المجتمع الفلسطيني وتقويض مقومات صموده، وفي ظل استمرار هذه السياسات، تتعاظم الحاجة إلى دعم القطاعات المقدسية وتعزيز قدرتها على مواجهة محاولات الإخضاع والاستنزاف.

