بدأ الشاب محمود الفقعاوي يومه مبكرًا كعادته، متجهًا إلى عمله في مجال الاتصالات والإنترنت وسط مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، دون أن يدرك أن ساعات قليلة تفصله عن لحظته الأخيرة، وأن أدوات عمله ستتحول إلى آخر ما يلمسه قبل أن يُسجَّل اسمه في قوائم الشهداء.
عند وصوله إلى مقر شركة الاتصالات الفلسطينية في المدينة، أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي النار بشكل عشوائي في المكان، ما أدى إلى إصابته وسقوطه أرضًا وسط حالة من الفوضى والذعر بين زملائه والمارة.
لبضع ثوانٍ، ساد الجمود المشهد من هول الصدمة، قبل أن يهرع الحاضرون لمحاولة إنقاذه، وسط إمكانيات محدودة، وغياب وسائل الإسعاف السريعة، نتيجة تدمير الاحتلال للبنية التحتية في المنطقة بشكل واسع.
ويقول شريف الفقعاوي، ابن عم الشهيد، لصحيفة "فلسطين": "كانت عملية نقل محمود من وسط خان يونس إلى مجمع ناصر الطبي في غاية الصعوبة، إذ لم تتوافر وسيلة نقل مناسبة، ما اضطرنا لاستخدام وسائل بدائية ومحاولات فردية لنقله بأسرع وقت ممكن".
ويضيف: "كل دقيقة كانت تمر كانت تزيد من خطورة حالته، فيما كان النزيف يستنزف ما تبقى من حياته".
داخل أروقة مجمع ناصر الطبي، كانت الطواقم الطبية تخوض سباقًا مع الزمن، إذ نُقل محمود إلى قسم الطوارئ وهو في حالة حرجة، وسط محاولات مكثفة لإنقاذه، إلا أن إصابته البالغة لم تمهله طويلًا، ليُعلن عن استشهاده لاحقًا، وتتحول غرفة العلاج إلى مساحة وداع صامت وثقيل، يختزن صدمة الفقد وألم اللحظة.
في تلك الأثناء، كانت والدته في طريقها إلى المستشفى، لا تعرف التفاصيل الكاملة لما جرى، لكنها كانت تشعر بقلق ينهش قلبها منذ لحظة انتشار الخبر.
وصلت الأم المكلومة إلى بوابة المستشفى مسرعة، تتلفت يمينًا ويسارًا بحثًا عن ابنها بين الوجوه، وهي تكرر بصوت مرتجف: "أين محمود؟ هل هو بخير؟".
اقتادتها الطواقم الطبية ورجال الأمن بين الممرات، في محاولة لتهدئتها، بينما كانت تحاول التماسك رغم ارتجاف يديها ودموعها التي سبقتها إلى الحقيقة. وفي البداية أُبلغت أن ابنها يتلقى العلاج، فتنفست قليلًا بصعوبة، وتمسكت بخيط أمل لم يدم طويلًا.
فبعد لحظات، جاء الخبر الذي غيّر كل شيء: محمود قد استشهد متأثرًا بإصابته. وفي تلك اللحظة، انهارت الأم داخل ممرات المستشفى، وارتفع صوت صرخاتها على فقدان ابنها في لحظة واحدة.
جلست على الأرض في حالة من الذهول وعدم التصديق، غير قادرة على استيعاب أن ابنها الذي خرج صباحًا بحثًا عن رزقه، عاد إليها شهيدًا. ثم هرعت إلى الغرفة التي وُضع فيها، لتعيش لحظات الوداع الأخيرة في مشهد موجع ومؤلم.
انتهاكات متواصلة
بدوره، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى يوم الثلاثاء 14 أبريل/نيسان 2026، ارتكاب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، بما يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، وتقويضًا متعمدًا لجوهر وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق به.
وأوضح المكتب في بيان له، أن الجهات الحكومية المختصة رصدت خلال هذه الفترة نحو 2,400 خرق للاتفاق، توزعت بين جرائم إطلاق نار، وتوغلات عسكرية، وقصف واستهداف مباشر، إضافة إلى عمليات نسف لمنازل ومبانٍ مدنية.
وبين أن الخروقات شملت 921 حالة إطلاق نار، و97 حالة توغل لآليات عسكرية داخل الأحياء السكنية، و1,109 حالات قصف واستهداف، إلى جانب 273 عملية نسف لمبانٍ ومنازل.
وأكد المكتب أن هذه الخروقات أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة، حيث بلغ عدد الشهداء 754 شهيدًا منذ بدء وقف إطلاق النار، من بينهم 312 طفلًا وامرأة ومسنًا، مشيرًا إلى أن الغالبية الساحقة من الضحايا هم من المدنيين.
وأضاف أن عدد المصابين بلغ 2,100 جريح خلال الفترة ذاتها، من بينهم أكثر من 1,096 من الأطفال والنساء والمسنين، موضحًا أن ما يزيد على 99% من إجمالي المصابين هم من المدنيين.
وأشار المكتب إلى أن جميع الجرحى والمصابين تم استهدافهم داخل الأحياء السكنية وبعيدًا عما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في انتهاك واضح لبنود الاتفاق الإنساني.

