منذ بدء سريان وقف إطلاق النار يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، اجتهدت (إسرائيل) لخلق واقع أمني في قطاع غزة يخدم أجندتها السياسية والعسكرية، عبر ارتكابها سلسلة انتهاكات كشفت محاولاتها للالتفاف على الاتفاق المثقل بالخروقات، وفق محللين سياسيين.
أبرز هذه المحاولات، تجلَّت مؤخرًا في المفاوضات الجارية في العاصمة المصرية القاهرة، عندما ربط الاحتلال تنفيذ اتفاق وقف النار بنزع سلاح فصائل المقاومة.
يأتي هذا في وقت صعَّد فيه جيش الاحتلال من عملياته العدائية، وواصل خروقاته لتتجاوز 2371 خرقًا، في انتهاك فادح للاتفاق الذي توسطت به دول عربية وإسلامية ولاقى ترحيبًا أمريكيًا ودوليًا. ووفق معطيات رسمية، فإن الخروقات الإسرائيلية أودت بحياة أكثر من 750 مواطنًا غالبيتهم من الأطفال والنساء.
في هذا السياق، رأى محللان سياسيان أن (إسرائيل) تتحمل مسؤولية الواقع الجديد الذي فرضته في غزة، عبر لجوئها إلى توسيع سيطرتها العسكرية لتشمل أكثر من نصف مساحة القطاع الساحلي البالغة 365 كيلومترًا مربعًا خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، وإطلاق العنان للمليشيات المسلحة لتنفيذ عمليات أمنية بأوامر مباشرة من ضباط الاحتلال، تزامنًا مع عدم التزامها بالحد الأدنى من البروتوكول الإنساني المرتبط بالمساعدات الإغاثية.
اقرأ أيضًا: سلاح المقاومة مقابل الإعمار.. شروط مشبوهة تعيد تشكيل غزة وفق أجندة الاحتلال
هذه المعطيات، كما أكد محللان في حديثيْن منفصليْن لـ "فلسطين أون لاين"، يجعل تمسك فصائل المقاومة بالسلاح، أمرًا ضروريًا تحت أي ظرف كان في ظل امتداد انتهاكات الاحتلال وجرائمه بغزة.
سياسات الاحتلال التي رافقت تنصله من اتفاق وقف النار أمام عالم يراقب بصمت، تركت أيضًا تداعيات خطيرة على الأوضاع الإنسانية للمواطنين، لاسيما النازحين في خيام هشّة لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة الآدمية.
وأبدى الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق، معارضته لمطلب المندوب السامي لغزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، الذي يقضي بنزع سلاح المقاومة في حين لم يلتزم الاحتلال بأبسط شروط المرحلة الأولى من الاتفاق، لاسيما الانسحاب، وفتح المعابر، وإدخال شاحنات المساعدات دون قيود، ووقف عمليات الاغتيال.
المحلل السياسي، خالد صادق
ووصف صادق هذا المطلب، بأنه "قفزة سياسية يحاول المجتمع الدولي ومجلس السلام فرضها بهدف نزع سلاح المقاومة"، مضيفًا "هذا التفاف على حقوق الشعب الفلسطيني، سيؤدي في النهاية إلى الاستفراد بغزة مجددًا، وهو ما ينذر بنسف المفاوضات من جذورها".
ونبَّه إلى أن التشدد بربط نزع السلاح بإعادة الاعمار وغيره من القضايا التي شملها اتفاق وقف النار، يكشف المساعي الإسرائيلي لإبقاء الوضع في غزة كما هو، ويؤكد تنصله من بنود الاتفاق، مؤكدًا أن القطاع ما يزال يتعرض للتنكيل عبر حصارٍ مشدد، وجرائم اغتيال، وعمليات نسف وتجريف تشهدها المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ورجح صادق، أن استمرار الوضع الراهن ينذر باتجاه الأمور إلى مرحلة خطيرة جدًا، يرافقها تحذيرات حقوقية وقانونية دولية، من أن شبح مجاعة جديدة يلوح في الأفق جراء سياسات الاحتلال وما سببته من تدهور حاد في الأوضاع المعيشية لأكثر من مليوني ناجٍ من الإبادة.
مقابل تنصل الاحتلال وتصعيد انتهاكاته، رأى المحلل السياسي، أن فصائل المقاومة لا تملك إلا التمسك بخيار الصمود أمام محاولات نزع سلاحها، والذي لن ينجح إلا بوحدة الموقف الفلسطيني، وخطة متكاملة لفضح الانتهاكات الإسرائيلية، وهذا يتطلب أيضًا دورًا ملموسًا للسلطة الفلسطينية.
اقرأ أيضًا: ملادينوف يوجِّه تهديداتٍ صريحة لأعضاء في لجنة إدارة غزَّة ويواصل تعطيل عملها
من جهته، رأى المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عمر جعارة، في موضوع ملف السلاح، أن "من يملك السلاح الاستراتيجي هو الاحتلال وليست غزة، وتستهدف به المدنيين ومعالم الحياة التي لا تعد أهدافًا عسكرية في كل قوانين الأرض".
وعدَّ جعارة أن "إغماض النظام الأمريكي العين عن هذه الحقيقة، يعني أن المشكلة ليست في دويلة (إسرائيل) فحسب، بل تمتد لتشمل الولايات المتحدة أيضًا".
المحلل السياسي، عمر جعارة
وذكَّر بأن حكومات الاحتلال، لاسيما التي يرأسها اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، لم تلتزم بأي اتفاقيات مع الفلسطينيين، ويؤكد ذلك التنصل الإسرائيلي الفاضح من اتفاق وقف النار الذي يرعاه مجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم إفراج المقاومة عن جميع الأسرى الإسرائيليين، أحياءً وأمواتًا، والتزامها باتفاق وقف النار.
واستدرك جعارة: "حكومة الاحتلال لا يمكن أن تصنع سلامًا مع الشعب الفلسطيني بأي شكل من الأشكال، سواء كان مفاوضًا أو مقاومًا، بدلالة ما ترتكبه (إسرائيل) من جرائم وانتهاكات في الضفة الغربية المحتلة رغم خلوها من الصواريخ والأنفاق".
وطالب الوسطاء في اتفاق وقف النار، بأن يمارسوا دورهم في الضغط على الاحتلال الذي يرتكب جريمة تطهير عرقي في الأراضي المحتلة، مثلما ضغطوا على فصائل المقاومة في مفاوضات وقف النار التي لم تُنهِ الحرب.
ورغم تصعيد الاحتلال انتهاكاته محاولاً تحقيق أهداف الحرب، إلا أن المختص بالشأن الإسرائيلي، قلل من إمكانية تحقيق النصر لـ(إسرائيل) سواء في غزة والضفة الغربية، أو لبنان أو في إيران.