تعد محاولات ربط إعادة إعمار قطاع غزة بشرط نزع سلاح المقاومة، أداة ضغط تستهدف إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في القطاع بما يخدم مصالح الاحتلال ومليشياته العميلة داخل القطاع. وبالإضافة إلى ذلك فإن فرض مهل زمنية لنزع هذا السلاح يمنح الاحتلال مساحة أوسع للمناورة وابتزاز السكان عبر تعميق الأزمات الإنسانية.
ويرى خبيران تحدثا مع صحيفة "فلسطين" أن أي مساس بسلاح المقاومة في ظل غياب ضمانات حقيقية للحماية الدولية يشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل غزة، وأشارا إلى أن الحفاظ على هذا السلاح يُنظر إليه كعنصر أساسي في معادلة الردع، وليس مجرد خيار سياسي.
تحول خطير
ويقول المحلل السياسي البروفيسور إبراهيم أبو جابر لـ "فلسطين أون لاين": إن ربط ملف إعادة إعمار قطاع غزة بنزع سلاح المقاومة "يُعد تحولًا خطيرًا في مقاربة المجتمع الدولي وبعض الأطراف الإقليمية للقضية الفلسطينية"، معتبرًا أن هذا الربط لا يمكن قراءته إلا في سياق الضغوط السياسية والأمنية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في القطاع بما يتناسب مع مصالح الاحتلال الإسرائيلي.

المحلل السياسي، إبراهيم أبو جابر
ويؤكد أبو جابر أن فرض أي مهل زمنية على المقاومة لتسليم سلاحها أو إعادة هيكلته هو أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا، لأنه يمنح الاحتلال فرصة ذهبية لإدارة المشهد وفق إيقاعه الخاص، مستغلًا عامل الوقت للضغط والتجويع وخلق أزمات إنسانية متفاقمة تُستخدم كورقة ابتزاز، مشيرا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الاحتلال لا يلتزم بأي تعهدات، وأن أي تنازل في هذا السياق سيُترجم مباشرة إلى إضعاف القدرة الدفاعية للقطاع.
وأضاف أن ربط إعادة الإعمار بسلاح المقاومة يمثل شكلًا من أشكال التواطؤ السياسي والأمني، حيث يتم استخدام معاناة المدنيين واحتياجاتهم الأساسية كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف استراتيجية لا تخدم سوى الاحتلال، معتبرا أن هذا الربط يهدد مستقبل غزة على المدى البعيد، لأنه يضعف مقومات الصمود ويكرّس حالة التبعية للمساعدات المشروطة.
اقرأ أيضًا: نزع سلاح المقاومة بغزة دون معالجة جذور الصراع يهدد الحقوق والأمن
كما يحذر أبو جابر من خطورة السيناريوهات التي تتحدث عن استبدال سلاح المقاومة بترتيبات أمنية بديلة، قد تشمل تمكين المليشيات العميلة مع الاحتلال، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل بوابة لخلق واقع أمني هش يخدم الاحتلال ويعيد إنتاج نماذج فاشلة شهدتها مناطق أخرى.
وشدد في ختام تصريحه على أن سلاح المقاومة ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو عنصر ردع أساسي وضمانة حقيقية لحماية القطاع في ظل غياب أي منظومة حماية دولية فاعلة، مؤكدًا أن الحفاظ عليه هو جزء لا يتجزأ من معركة البقاء والصمود.
رؤية منحازة
بدوره، يؤكد المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير لـ"فلسطين أون لاين" أن الطرح القائم على ربط إعادة إعمار غزة بنزع سلاح المقاومة يعكس رؤية منحازة تتجاهل جذور الصراع، وتحاول تحميل الضحية مسؤولية الدمار الذي تسبب به الاحتلال، مشيراً إلى أن هذا الطرح يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة السياسية، حيث يتم اشتراط إعادة بناء ما دمرته آلة الحرب مقابل التخلي عن عناصر القوة الذاتية.

المحلل السياسي اللبناني، قاسم قصير
ورأى قصير أن فرض مهل زمنية على المقاومة تحت عنوان "ترتيب الوضع الأمني" ليس سوى أداة ضغط سياسية تهدف إلى تفكيك بنية المقاومة تدريجيًا، ومنح الاحتلال الوقت الكافي لإعادة ترتيب أولوياته الميدانية، معتبرا أن هذه المهل، بدل أن تسهم في الاستقرار، تفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز والتدخل الخارجي.
وشدد على أن ربط الإعمار بسلاح المقاومة يمثل تواطؤًا واضحًا، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على المستوى الأمني، إذ يُراد من خلاله إعادة تشكيل البيئة الداخلية في غزة بما يضمن تقليص أي تهديد مستقبلي للاحتلال، مضيفا أن هذا النهج يهدد بإدخال القطاع في مرحلة جديدة من الانقسام والاضطراب.
كما حذر قصير من محاولات خلق بدائل أمنية تحت مسميات مختلفة، معتبرًا أن تمكين أي قوى محلية على حساب المقاومة سيؤدي إلى صراعات داخلية، ويخلق واقعًا أمنيًا مفككًا يسهل التحكم به من قبل الاحتلال وأطراف خارجية، مؤكداً أن التجارب في المنطقة أظهرت أن تفكيك قوى المقاومة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى الفوضى.

