في منزلٍ متواضع بمدينة غزة، يرقد الطفل يمان بركات على سريره الصغير، يغفو لحظات قبل أن يستفيق على صرخاتٍ متكررة يطلقها من شدة الألم.
غادر المستشفى، لكن معاناته لم تغادره؛ بل انتقلت معه إلى البيت، حيث تفتقر أسرته لأبسط مقومات الرعاية الطبية، في واقع صحي منهك لا يترك للمرضى سوى الانتظار.
يمان، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، وُلد وهو يعاني مشكلة في مفصل الحوض، قبل أن تتضح حالته بشكل أدق في يوليو/تموز 2025، حين شُخّص بخلع في المفصل الأيسر.
ومنذ ذلك الحين، بدأ والده، الزميل الصحفي أحمد بركات، رحلة شاقة بين المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية في قطاع غزة، بحثًا عن علاج مناسب، وفق ما أفاد لـ "فلسطين أون لاين". إلا أن محدودية الإمكانيات، والدمار الذي طال المنظومة الصحية، حالا دون توفير التدخل الطبي اللازم.
وبحسب الأطباء، فإن حالة الطفل تتطلب عملية جراحية معقدة لإعادة المفصل إلى موضعه الطبيعي، إلى جانب زراعة عظم.
فرصة معلّقة
بعد شهور من الانتظار، حصلت العائلة على موافقة لتحويل يمان للعلاج خارج غزة، غير أن هذه الفرصة بقيت حبرًا على ورق، إذ لم تُستكمل إجراءات السفر، وبقيت الموافقات دون تنفيذ.

ومع تدهور حالته الصحية، اضطر والده لإجراء عملية جراحية له داخل غزة، على نفقته الخاصة، في الثامن من أبريل/نيسان الجاري. إلا أن العملية، بحسب والده، لم تُنهِ معاناته، إذ يعاني الطفل منذ خروجه من المستشفى من آلام حادة، وارتفاع في درجة الحرارة، إضافة إلى صداع وغثيان، وعدم القدرة على تناول الطعام بشكل طبيعي.
ويؤكد الأب أن إبقاء الطفل في المنزل دون رعاية طبية كافية يشكل خطرًا حقيقيًا على حياته، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وعجز المستشفيات عن تقديم المتابعة اللازمة بعد العمليات الجراحية، نتيجة الدمار الذي لحق بها، إلى جانب نقص المعدات والمستهلكات الطبية.
نداء عاجل
ولا تقتصر معاناة العائلة على الجانب العلاجي فقط، إذ يشير الأب إلى عجزه عن توفير كرسي طبي أو جهاز مساعد للحركة لطفله، بسبب الحصار ومنع إدخال المعدات الطبية إلى القطاع.
اقرأ أيضًا: الوحيدي: نحو 6 مرضى يُتوفون يوميا في غزة.. والقطاع الصحي يئن تحت وطأة الاحتياجات
ويستعيد الأب ظروف ولادة "يمان" خلال الحرب، حيث واجهت والدته صعوبات كبيرة، وتأخرت الولادة نتيجة الأوضاع الأمنية، فضلًا عن تعرضها للدخان والغبار الناجمين عن القصف، ما قد يكون انعكس على صحة الطفل.
ورغم أهوال الحرب، كرّس الصحفي أحمد بركات جهوده لنقل معاناة أبناء شعبه إلى العالم، وساهم في إيصال صوتهم، بل وساعد عددًا من الجرحى على السفر لتلقي العلاج في الخارج.
إلا أنه اليوم يجد نفسه عاجزًا أمام مأساة ابنه، في مفارقة مؤلمة بين ما قدّمه للآخرين، وعجزه عن إنقاذ أقرب الناس إليه.
واليوم، يوجّه الأب نداءً عاجلًا للسماح بسفر ابنه للعلاج في الخارج، مؤكدًا أن حالته تتطلب تدخلًا طبيًا متخصصًا بشكل فوري، محذرًا من مضاعفات خطيرة قد تهدد حياته مع استمرار غياب الرعاية اللازمة.
وتأتي قصة "يمان" في ظل واقع صحي متدهور في قطاع غزة، حيث تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأجهزة والأدوية، إلى جانب القيود المستمرة على إدخال المستلزمات الطبية والوفود المتخصصة، ما يفاقم معاناة المرضى، خاصة الأطفال، الذين ينتظرون فرصة علاج قد تنقذ حياتهم.

