يتدهور، بشكل متسارع، مستوى الخدمات الأساسية والحياتية في قطاع غزة، الذي يعيش إبادة جماعية إسرائيلية للعام الثالث على التوالي، ما ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية والصحية والبيئية القائمة أصلاً، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار.
ورصدت مؤسسات دولية ومحلية، خلال الربع الأول من العام الجاري، تراجعًا ملحوظًا في مستوى الخدمات الأساسية، كالصحة والمياه، إلى جانب تراكم النفايات ونقص الموارد الغذائية، وسط تحذيرات متسارعة من انتشار الأمراض والأوبئة، وصولًا إلى خطر الموت الجماعي داخل القطاع.
وبحسب منظمة "أطباء بلا حدود"، فإن الاحتياجات في غزة هائلة، ومع ذلك لا تسمح "إسرائيل" بإدخال ما يكفي من المساعدات الصحية، مؤكدة أنها لم تتمكن من إدخال أي إمدادات دوائية أو غذائية منذ بداية العام.
وأكدت المنظمة أن سلطات الاحتلال لا تزال تمنع إدخال معدات جديدة أو قطع غيار، مشيرة إلى أن تأجيل العمليات الجراحية أو تعليقها، في بعض الحالات، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المرضى، وقد يصل إلى الإعاقة أو تفاقم إعاقات قائمة.
وذكرت "أطباء بلا حدود" أن فرقها تعتمد بشكل كامل على المعدات المتوافرة داخل غزة، والتي استُخدمت لفترات طويلة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الأعطال نتيجة الضغط الكبير عليها.
وحذّر الوكيل المساعد لوزارة الصحة، م. بسام الحمادين، من كارثة صحية وموت حقيقي يهدد مئات المرضى في الأقسام الحساسة، كالعناية المركزة، وغسيل الكلى، والعمليات الجراحية، بسبب نفاد زيوت المولدات الكهربائية في جميع المرافق الصحية.

الوكيل المساعد لوزارة الصحة، م. بسام الحمادين
وقال، لـ "فلسطين أون لاين"، إن تطعيمات الأطفال ووحدات الدم والأدوية معرضة للفساد والتلف، نتيجة تراجع كفاءة المولدات وقدرتها على العمل لساعات طويلة.
وأوضح الحمادين أن الاحتياجات الصحية هائلة لإعادة بناء المنظومة الصحية التي دمرها جيش الاحتلال خلال الإبادة الجماعية، مناشدًا المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية الضغط على الاحتلال لتدارك هذه الأزمات، وإعادة بناء المنظومة الصحية بشكل كامل.
كارثة شاملة
وأطلق اتحاد بلديات غزة تحذيرًا جديدًا من دخول القطاع مرحلة الانهيار الشامل في الخدمات البلدية الحيوية، في ظل التفاقم الحاد والمتواصل لأزمة المحروقات (الزيوت الصناعية والسولار)، واستمرار منع إدخال قطع الغيار وإطارات المركبات، ما يهدد بتوقف كامل لمنظومة الخدمات الأساسية خلال وقت قصير.
اقرأ أيضًا: الحمادين لـ "فلسطين": شحُّ السُّولار يهدد حياة المرضى وينذر بكارثة صحِّيَّة
وأوضح أن النقص الحاد في إمدادات السولار اللازمة لتشغيل آبار المياه، ومحطات الصرف الصحي، ومولدات الكهرباء، وآليات البلديات الخاصة بفتح الشوارع ورفع الركام، بالتزامن مع الحظر المستمر على إدخال المستلزمات التشغيلية، أدى إلى شلل متسارع في قدرات البلديات، واستنزاف ما تبقى من إمكانياتها المحدودة.
وأكد أن ذلك ينذر بتداعيات خطيرة وغير مسبوقة، تشمل تراجعًا كبيرًا في ضخ المياه، وتعطل محطات ومضخات الصرف الصحي، وتكدس آلاف الأطنان من النفايات في الشوارع ومحيط التجمعات السكانية ومراكز الإيواء، ما يفتح الباب واسعًا أمام انتشار الأوبئة والأمراض والحشرات والجرذان، ويهدد الصحة العامة والبيئة.
ووجّه اتحاد البلديات نداءً عاجلًا إلى الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، والدول العربية والإسلامية، والمؤسسات الإنسانية والحقوقية، للتحرك الفوري والفاعل لإنقاذ السكان المدنيين من الكارثة الوشيكة.
ظروف معقدة
ودفع التدهور الحاد في الخدمات الأساسية والحياتية رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، إلى التحذير من خطورة الأوضاع الإنسانية والصحية في غزة، التي تعيش أسوأ مراحل الكارثة الإنسانية، وسط انشغال عالمي بالحرب الإسرائيلية–الأمريكية ضد إيران.

رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا
وأكد الشوا، لـ"فلسطين أون لاين"، وجود تراجع ملحوظ في أعداد شاحنات المساعدات خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، فضلًا عن إغلاق جيش الاحتلال معبري "كرم أبو سالم" و"رفح" أمام المساعدات وسفر الجرحى والمرضى.
وأشار إلى أن الأوضاع الإنسانية والمعيشية تزداد تعقيدًا في غزة، في ظل تراجع الخدمات الإنسانية والصحية والغذائية، مشددًا على الحاجة الملحة والعاجلة لمستلزمات الإيواء والغذاء والصحة والبنية التحتية والتعليم.
وأضاف أن هناك عجزًا كبيرًا في المعدات الطبية والأدوية، يصل إلى 54% داخل القطاع، إلى جانب انتشار الأمراض نتيجة سوء التغذية وتراكم النفايات وتدمير شبكات الصرف الصحي.
اقرأ أيضًا: الصحة بغزة تناشد بضرورة إدخال الزيوت وقطع غيار المولدات للمستشفيات
وبيّن أن ما يدخل غزة حاليًا لا يتجاوز ثلث الكميات المتفق عليها ضمن البروتوكول الإنساني في إطار اتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025)، والمحددة بنحو 600 شاحنة يوميًا، في حين يحتاج القطاع إلى نحو 1000 شاحنة يوميًا من مختلف الأصناف والمستلزمات لإعادة الحياة.
وتطرق إلى تقليص الاحتلال إدخال مواد أساسية، كمواد النظافة، والخضراوات والفواكه، ومواد الإيواء والخيام، والطرود الغذائية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وعدم قدرة كثير من المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وحذّر الشوا من استمرار تدهور الخدمات الأساسية في مختلف مناحي الحياة، كما نبه إلى خطر عودة الجوع أو المجاعة إلى غزة، بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر. ودعا، في هذا السياق، المنظمات الأممية والدولية إلى الضغط من أجل تمكين طواقمها من العمل داخل القطاع، والتعاون مع الهيئات المحلية لضمان استعادة الحياة والخدمات الأساسية للناجين من الإبادة الجماعية.

