فلسطين أون لاين

إيران: حين تصبح الحرب دعاية مجانية

السؤال ليس من انتصر، بل ماذا تبقى بعد انتهاء المعركة، ولنفترض أن هذه الحرب تنتهي دون سقوط النظام في إيران، ودون نصر ساحق كما يحب الساسة أن يصرخوا أمام الكاميرات، وهذا الفرق هو جل الحكاية، فما يبقى هو دولة استنزفت اقتصاديا، ضربت بنيتها التحتية جزئيا، لكنها في المقابل اثبتت قدرتها على الايلام والصمود.

وفق هذا السيناريو، تخرج إيران من هذه المعركة كملاكم تلقى ضربات قاسية، لكنه بقي واقفا حتى الجولة الاخيرة، ربما قد لا يصفه احد بالمنتصر، لكن بالتأكيد فان الجميع سيتجنب الاقتراب منه ثانية، فالرسالة التي لا يمكن تجاهلها، انه وخلال هذه الحرب، لم يكن الاهم عدد الصواريخ التي اطلقتها بقدر ما كانت اماكن سقوطها، *فحين تتمكن دولة محاصرة لعقود من اختراق منظومات دفاعية متطورة، وضرب قواعد حساسة، والتي يفترض انها محصنة بشدة، فهذه ليست مجرد ضربة عسكرية، بل ضربة للسمعة ايضا*، أنظمة استثمرت مئات المليارات في الحماية، اكتشفت فجأة ان التكنولوجيا ليست كافية لشراء الطمأنينة، والدولة التي قدمت نفسها كضامن، وجدت معداتها تستنزف وتصاب وتدمر في مسارح عمليات يفترض انها تحت سيطرتها الكاملة، فالسلاح لم يعد مجرد منتج، بل السمعة نفسها، وقد تصدعت.

إيران، وبحكم العقوبات الطويلة، لم يكن لديها ترف شراء احدث ما في اسواق التكنولوجيا العسكرية، فقد فعلت ما يفعله طرف محاصر، وكما الحال في غزة ولبنان، صنعت بنفسها، بخبراتها وكوادرها، جربت، فشلت، وكررت المحاولة، مما جعل الحرب اخطر من مجرد صراع، بل عرضا حيا لقدراتك، صواريخ تضرب بعيدا، ومسيرات تتجاوز دفاعات معقدة، وقدرة على الاستمرار رغم السيطرة الجوية الكاملة، وتلك ليست دعاية، بل هي اختبار عملي، ففي عالم السلاح، لا شيء يقنع الزبون مثل اثبات ان هذا السلاح "نجح في الحرب".

السؤال، هل ستصبح ايران مصدرا للسلاح؟ بالتأكيد ليس بشكل مفاجئ او بسهولة، لكن الاتجاه واضح، فبعد حرب من هذا النوع، ستظهر دولا تطرح سؤالا بسيطا، كيف ندافع عن انفسنا بموازنات اقل؟ وايران تملك جوابا، وهنا تدخل على الخط، قد لا تنافس في الطائرات الشبحية او حاملات الطائرات، فهذا عالم آخر، لكنها قد تصبح لاعبا قويا في قطاعات اخرى، مثل المسيرات الهجومية منخفضة التكلفة، الصواريخ التكتيكية، وانظمة الحرب غير المتكافئة، وتقنيات تشويش واختراق، وكلها ادوات لا تحتاج الى دولا غنية فقط، بل دولا قلقة، وهي كثيرة في عالم اليوم.

دولا دفعت ثروات هائلة مقابل الحماية الجاهزة والمعلبة، لكنها ستبدو في موقف محرج جدا، لان الحرب كشفت حقيقة ان التفوق التقني لا يعني التفوق الفعلي دائما، وفي المقابل، نموذج التصنيع تحت الضغط سيكتسب جاذبية اكثر، ليس لأنه مثالي، بل لأنه عملي، ومنخفض الكلفة، قد لا يحبون ايران، لكنهم قد يشترون منها، مع بقاء القيود والتحديات، فالعالم لا يقدم هدايا مجانية، وبالطبع يجب ان لا نبالغ، او نحول ايران الى عملاق صناعات دفاعية، فالعقوبات ستبقى معيقا، والثقة محدودة، والاقتصاد الداخلي منهك، والمنافسة مع القوى الكبرى اشرس، ولن تتحول الى نسخة جديدة من كبار مصدري السلاح بين عشية وضحاها، لكنها قد تحجز مكانا في سوق رمادية، تلتقي فيها السياسة والحاجة والمصالح، فتعقد صفقات بعيدا عن الخطابات الرسمية.

الواقع لا يحتمل المبالغة، فايران الخارجة من هذه الحرب، قد لا تكون منتصرة، لكنها بالتاكيد لن تكون درسا في الهزيمة كما يأمل الكثير خصومها، بل ستكون اكثر ازعاجا، ونموذجا اثبت ان دولة تحت الحصار يمكن ان تطور ادوات ردع فعالة، وتفرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاهله، وهذا بالضبط ما قد يفتح لها بابا جديدا، ليس كقوة عظمى، بل كمصدر سلاح لدول لا تثق بأحد، ولا تملك رفاهية الخيارات، فالعالم لا يكافئ الاخلاق دائما، كما لا يعاقب الفشل، لكنه يحترم من اثبت انه قادر على الصمود وايذاء خصومه، وبالتالي، فايران، وفق هذا السيناريو، ستكون قد فعلت كلا الامرين معا.

المصدر / فلسطين أون لاين