فلسطين أون لاين

تقرير فقدت كرسيها ومنزلها.. ناريمان ضحية الحرب والنزوح في غزة

...
الطفلة ناريمان طوطح
غزة/ صفاء عاشور

لم تكن الطفلة ناريمان طوطح، ذات الثلاثة عشر عامًا، تدرك أن حياتها ستُكتب بهذا القدر من القسوة، ولا أن طفولتها ستُقاس بمسافات النزوح القسري بدلًا من سنوات اللعب والدراسة.

منذ عامها الأول، حين أصيبت بالحمى الشوكية، تغيّر كل شيء، ترك المرض أثره القاسي على جسدها الصغير، فأصابها بالشلل الدماغي، لتبدأ معها رحلة طويلة من الألم والصبر، تقودها عائلة لم تعرف يومًا معنى الاستسلام.

كبرت ناريمان وهي تحتاج إلى رعاية دائمة، وكانت عائلتها تحاول بكل ما تملك أن توفر لها العلاج الطبيعي والأدوية، بالرغم من ضيق الحال وقلة الإمكانيات، ومع مرور الوقت، أصبح الكرسي المتحرك وسيلتها الوحيدة للتنقل، ونافذتها الصغيرة التي ترى من خلالها العالم، لم يكن مجرد أداة، بل كان جزءًا من حياتها اليومية، يمنحها شيئًا من الاستقرار والكرامة.

لكن الحرب قلبت كل شيء، حين استهدف الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، لم ينجُ منزل عائلة طوطح من الدمار، تحول البيت الذي كان يحتضن ذكرياتهم إلى ركام، وتحت هذا الركام ضاع كرسي ناريمان المتحرك، وضاعت معه قدرتها المحدودة على الحركة، في تلك اللحظة، لم تعد ناريمان فقط طفلة تعاني من إعاقة، بل أصبحت طفلة تُحمل أينما ذهبت.

5940430114359282983.jpg

بدأت رحلة النزوح، وكانت الأقسى على ناريمان، كما تقول والدتها "أم أمجد" لـ "فلسطين أون لاين": "لم يكن بإمكانها السير، ولم يتوفر لها كرسي متحرك، فكان الحل الوحيد أن تُحمل على الأيدي، حملها والدها لساعات طويلة، واحتضنتها أنا في أوقات أخرى، فيما كان إخوتها يتناوبون على حملها خلال التنقل بين المناطق". انتقلت العائلة من النصيرات إلى خانيونس، ثم عادت إلى غزة، قبل أن تنزح مرة أخرى إلى المغازي، في كل محطة، كان المشهد يتكرر، والتعب يتضاعف، والمعاناة تكبر.

لم تكن المشكلة في المسافة فقط، بل في الظروف المحيطة، الطرق غير ممهدة، والخيام مكتظة، والخدمات شبه معدومة، وفوق ذلك، لم تتمكن العائلة من توفير كرسي متحرك جديد، كما لم تستطع المؤسسات المختصة بذوي الإعاقة إدخال هذه الاحتياجات بسبب إغلاق الاحتلال للمعابر.

في العاشر من أكتوبر عام 2025، ومع سريان اتفاق وقف الحرب، بدأت العائلة تفكر بالعودة إلى حي الزيتون، لم يكن القرار سهلًا، فالمكان لم يعد كما كان، الدمار كان شاملًا، والركام يملأ الشوارع والأزقة، لكن الحنين إلى البيت، والإصرار على البقاء في الأرض، كانا أقوى من كل شيء.

5940430114359282983.jpg

عاد الأب وأبناؤه إلى بيتهم القريب حسب تصنيفات الاحتلال من المنطقة الصفراء، حيث كان منزلهم قائمًا يومًا ما، لم يجدوا سوى حجارة متناثرة وبقايا جدران. هناك، بدأوا رحلة جديدة من التعب، لكنها هذه المرة كانت من أجل العودة.

استمروا 52 يومًا في إزالة الركام بأيديهم، دون أي مساعدة من أي جهة، ويومًا بعد يوم تمكنوا من تهيئة مساحة صغيرة نصبوا فيها خيمة، لتكون مأوى للعائلة.

اليوم، تعيش العائلة في تلك الخيمة، على مقربة من المناطق التي يتمركز فيها الاحتلال شرق قطاع غزة، أصوات الدبابات تُسمع بوضوح، وإطلاق النار لا يتوقف، وشظايا القذائف تصل أحيانًا إلى المكان، الخوف حاضر في كل لحظة، لكنه لم يدفعهم للرحيل.

يقول والد ناريمان لـ "فلسطين أون لاين": "إن البقاء في الأرض رغم الخطر هو شكل من أشكال الصمود، وإنهم لن يتركوا ما تبقى لهم مهما كانت الظروف".

أما ناريمان، فكانت الأكثر تأثرًا بهذا الواقع، فحسب والدتها:" إن أصوات الانفجارات تُفزعها بشدة، وتُدخلها في نوبات تشنج متكررة، لا يمكن السيطرة عليها إلا من خلال أدوية خاصة، هذه الأدوية غير متوفرة في المستشفيات أو العيادات، وتُباع بأسعار مرتفعة، ما يجعل الحصول عليها أمرًا صعبًا بالنسبة للعائلة".

5940430114359282985.jpg

ولا تقف المعاناة عند هذا الحد، تواجه الأسرة صعوبة كبيرة في توفير الحفاضات لناريمان، والتي غالبًا ما تكون غير متوفرة في الأسواق، وإن وُجدت تكون باهظة الثمن، وتضطر والدتها في كثير من الأحيان إلى استخدام قطع من القماش كبديل، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الرعاية.

ورغم كل ما مرت به، لا تزال ناريمان تحيطها عائلتها بحب كبير، وتحاول أن تمنحها شعورًا بالأمان وسط هذا الواقع القاسي، تجلس داخل الخيمة، تراقب ما حولها بصمت، وتنتظر ما قد يحمله الغد.

تحتاج ناريمان اليوم إلى كرسي متحرك يعيد لها جزءًا من استقلالها، وإلى جلسات علاج طبيعي داخل مدينة غزة، قد تساعد في تحسين حالتها، هذه الاحتياجات تبدو بسيطة، لكنها في ظل الظروف الحالية تمثل تحديًا كبيرًا.

تبقى قصة ناريمان شاهدًا حيًا على معاناة الأطفال ذوي الإعاقة في غزة، وعلى حجم التحديات التي تواجههم في ظل الحروب والدمار، وبينما تستمر الحياة بصعوباتها، تبقى آمال هذه الطفلة الصغيرة معلقة على فرصة قد تعيد لها شيئًا من حياتها التي سُلبت منها مبكرًا.

المصدر / فلسطين أون لاين