فلسطين أون لاين

إعدام الأسرى.. بين داء الصمت القاتل والدواء الفعّال

لا يمكن التعقيب على قرار "الكنيست" بالمصادقة على تطبيق حكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين بمعزل عن السياق العام لتطورات المشهد التي عايشناها على مدار عامين ونصف من حرب الإبادة على غزة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي؛ فقد ثبت من خلال قراءة معمقة لتلك الأحداث بأن هذا القرار هو جزء لا يتجزأ من الحملة المسعورة والهجمة الشرسة التي تستهدف الفلسطيني لقتله نفسيًا وجسديًا أينما حل أو ارتحل، وبأي طريقة كانت؛ لإجباره على الهجرة طوعًا أو كرهًا، وإلا فكيف نفسر قتل عشرات الآلاف من المدنيين شيبًا وشبانًا، نساءً وأطفالاً؟

بل يكفي أن نلقي نظرة لما يحدث حاليًا على أرض الواقع، مرورًا باستمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار وما يترتب عليها من ارتقاء المزيد من الشهداء يوميًا؛ وليس انتهاءً بما يحدث في الضفة الغربية وعمليات القتل والتدمير التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد قوات الاحتلال تارة، وعلى يد عصابات المستوطنين تارة أخرى؛ بل إنهم تطاولوا وتجاوزوا جميع المحرمات حينما قرروا -بشكل غير مسبوق منذ ستينيات القرن الماضي- إغلاق المسجد الأقصى.

كما لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق التاريخي للمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في أربعينيات القرن الماضي ضد الفلسطينيين، أو قتل المئات من الأسرى المصريين وهم مكبلو الأيدي في صحراء سيناء ما بين عامي 1956 إلى 1967، أو مجزرة "بحر البقر" في محافظة الشرقية عام 1970؛ لنصل إلى حقيقة باتت راسخة أن "إسرائيل" بنت مجدها وحاولت تثبيت وجودها على استباحة الدم الفلسطيني والعربي على حد سواء.

إلا أن ما يميز هذه المرحلة هو وصول حكومة اليمين المتطرف في "إسرائيل" لمرحلة متقدمة من الهوس والغرور التي شجعتهم على استباحة كل المحرمات، وانتهاك المقدسات، وتجاوز الخطوط الحمراء بجميع تصنيفاتها ومستوياتها، وهو ما يجسد سيطرة العقلية العدوانية والدموية على قيادتها السياسية والعسكرية.

وفي ضوء هذه الحقيقة، تتجلى مدلولات ودوافع إقدام حكومة نتنياهو على المصادقة على قانون إعدام الأسرى:

أ. إدراكها لحقيقة ضعف الموقف العربي وعجزه عن اتخاذ موقف جريء في مواجهة العربدة الإسرائيلية.

ب. استخفاف واستهانة وإهانة للأمتين العربية والإسلامية؛ لقناعتها بامتلاك الأنظمة الحاكمة القدرة على منع وردع الشارع العربي والإسلامي من الحراك، رغم إدراكها خطورة تكرار حادثة "بوعزيزي".

ت. إبداعها في ابتزاز المجتمع الدولي لما تقوم به من دور وظيفي يخدم مصالح الغرب في الشرق الأوسط، وقد اعترف بذلك علنًا عدد كبير من السياسيين والمحللين بأن "إسرائيل" تمثل السد المنيع أمام أوروبا من خطر الإسلام.

ث. استغلال حالة التوتر الناتجة عن الحرب على إيران وانشغال العالم في تداعياتها الخطيرة.

ج. اعتقادها بسهولة تطبيق هذا الحكم رغم بيانات الشجب والاستنكار التي ستنهال عليها من كل حدب وصوب، بعد أن تمكنت من إدخال العالم في متاهات وتعقيدات الحرب.

ح. إن مجرد مصادقة "الكنيست" على هذا القانون يدل على أن "إسرائيل" لا تحترم الاتفاقيات الدولية ولا تلتزم بتعهداتها والتزاماتها بالقوانين الدولية؛ لا سيما وأن هذا القانون يتناقض مع ميثاق جنيف الرابع.

خ. إن تجاهل الحكومة الإسرائيلية لتحذيرات بعض الخبراء الأمنيين والسياسيين من التداعيات الخطيرة للمصادقة على قانون الإعدام، يدل على أن حكومة اليمين المتطرف قد تبنت سياسة انتقامية بما يلبي شهوة الاستمرار في القتل.

د. إدراك السياسيين لحقيقة انزياح المجتمع الإسرائيلي من اليمين إلى اليمين المتطرف، وقناعتهم بأن استباحة الدم الفلسطيني هي الوسيلة الفعالة لدغدغة مشاعره وكسب تعاطفه وتأييده للحصول على المزيد من المقاعد في ضوء اقتراب موعد الانتخابات العامة؛ وهو ما ينسجم مع توجهاتهم.

إن ما ذكرناه آنفًا لا يعدو كونه تشخيصًا لخطورة المرحلة، وتعريفًا بداء الصمت القاتل الذي أصاب المجتمع الدولي وانتشر كالسرطان في جسد الأمتين العربية والإسلامية. إلا أن مهمتنا ومهمة الإعلاميين لا تقتصر على تشخيص الداء بل تحديد موضع الألم وتقديم العلاج؛ لاستعادة عافية هذه الأمة التي أوشكت على النهوض من غفلتها، فما ينقصها في هذه المرحلة هو مخاطبة العلماء وقادة الرأي العام والنخب ليقودوا زمام المرحلة لتحريك الشارع العربي والإسلامي، باعتباره موضع الألم ومنبع الأمل.

المصدر / فلسطين أون لاين