مخطئ وواهم من ظن يوما ولو للحظة عابرة أن قضية نزع سلاح التنظيمات الفلسطينية ستكون نهاية المطاف وآخر المطالب الإسرائيلية ؛ بل إنه تجاهل للحقيقة التي باتت واضحة للقاصي والداني بأننا أمام حكومة يمينية متطرفة ترى في الحرب ملاذا للتهرب من الأزمات الداخلية الشائكة ولإشباع رغبة الانتقام وممارسة هواية القتل والتدمير ؛ باعتبارها أفضل وأقصر الطرق وأكثرها فعالية لكسب تأييد جمهور اليمين المتطرف في إسرائيل فهي تعمل بناء على قاعدة واضحة ومدروسة " كلما قتلت ودمرت أكثر كلما زادت فرصك للفوز في الانتخابات.
إن القارئ لمجريات الأحداث والتطورات التي عايشناها في غزة على مدار عامين ونصف يدرك مدى قدرة نتنياهو وحكومته على البحث عن ثغرات وذرائع للتهرب من الاتفاقيات وليس أدل على ذلك "التذرع بأهمية السيطرة على محور فيلادلفيا"؛ للتهرب من التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار على مدار أشهر طويلة رغم تأكيد الوسطاء والمحللين وصول المفاوضات حينها لمرحلة نهائية لإبرام صفقة تبادل.
كما أن استمرار حكومة نتنياهو في الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار يؤكد هذه الحقيقة التي نوهت إليها زعيمة حزب العمل سابقا شيلي يحموفيتش حينما قالت وبصريح العبارة بأن حكومة نتنياهو لن توافق على إبرام الصفقات والاتفاقيات حتى لو خضعت الفصائل الفلسطينية لشروطها ورفعت الراية البيضاء.
بل يكفي الإشارة إلى تصريحات نتنياهو وجوقة السياسيين والمهللين الذين تحدثوا بصريح العبارة عن رغبتهم في استمرار الحرب لتحقيق حلم أرض إسرائيل الكبرى والتي تتطلب تهجير سكان غزة وإزالتها عن الوجود تمهيدا لإقامة مدينة يهودية على أنقاضها.
ولكي نخرج من دائرة جلد الذات وإلقاء اللوم والاتهام للتنظيمات الفلسطينية نذكر بالشرط الذي وضعه نتنياهو مؤخرا وهو نزع التطرف باعتباره شرط أساسي لموافقة إسرائيل على المضي قدما في تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار
فماذا يعني نزع التطرف حسب رؤية نتنياهو
أ. إلغاء سورة الإسراء من المقررات الدراسية، ومنع الاحتفالات بالإسراء والمعراج باعتبار الأقصى " مكان للهيكل الثالث".
ب. وصف القادة الشهداء – ياسر عرفات وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين وأبو على مصطفى وغيرهم بأنهم " إرهابيون قتلة ومخربون" وفي المقابل وصف مجرم الحرب آرئيل شارون وغيره من القتلة بأنهم دعاة سلام.
ت. إلغاء أي فقرة تتحدث عن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في أربعينيات وخمسينات القرن الماضي
ث. محاولة ترسيخ صورة نمطية بأن " أرض فلسطين " هي حق ووعد توراتي لليهود وهو ما يدعو إليه الكثير من المحللين والسياسيين الذين ينكرون وجود الشعب الفلسطيني أصلا.
ج. شطب قضية اللاجئين وإنكار حقهم في العودة وإلغاء استخدام مصطلح دولة فلسطينية.
ح. السعي لدمج اللغة العبرية في المناهج، لتذويب الذات العربية وتجسيدها بالذات "الإسرائيلية"؛ لسلخنا عن ثقافتنا وموروثنا التاريخي والديني، بعد ذلك يخلو الجو للفكرة الهودية "المنشودة": استبدال النشيد الوطني الفلسطيني بالنشيد الإسرائيلي" هتكفا".
الخلاصة هي أن حكومة إسرائيل لن تكتفي بنزع السلاح أو نزع الشرعية وستبحث عن شروط تعجيزية أخرى للتهرب من الاتفاقيات واستحقاقاتها فهي ماضية في خطتها وسياستها العدوانية تجاه الكل الفلسطيني لأنها لا تميز بين أسود وأخضر أو أحمر بل حتى من يرفع الراية البيضاء مستسلما صاغرا.
لذلك بات من الضرورة الملحة أن نعمل على صياغة موقف وطني موحد باعتباره الطريق الوحيد لإنقاذ الكل الفلسطيني من الخطر الداهم ولرفع الظلم ووقف العدوان عن الشعب الفلسطيني وتحريره من احتلال لا يعترف بالقوانين الدولية ولا يعرف للإنسانية معنى.

